كيف يبدأ الركود؟.. علامات صغيرة تقود إلى أزمة كبيرة
المؤشر 11-02-2026 نادراً ما يأتي الركود الاقتصادي فجأة، في العادة، يسبق الانكماش الاقتصادي صمت ثقيل في الأسواق، وتغيرات صغيرة في سلوك الناس والشركات، قبل أن تتحول إلى خسائر في الوظائف والدخول والاستثمارات.
المشكلة أن هذه الإشارات تكون واضحة للاقتصاديين، لكنها تمر على أغلب الناس من دون انتباه، رغم أن تجاهلها قد يكلّفهم أعمالهم أو مدخراتهم أو حتى منازلهم.
الثقة أولاً.. الشرارة الصامتة
عندما تهتز ثقة المستهلكين في المستقبل، تبدأ أولى حلقات الركود، يصبح الناس أكثر حذراً، يؤجلون الشراء، ويقللون الإنفاق، ومع تراجع الاستهلاك، يفقد الاقتصاد أحد محركاته الأساسية، لأن الطلب اليومي هو ما يبقي عجلة الإنتاج دائرة.
حين يتوقف الناس عن الإنفاق
تقوم الاقتصادات الحديثة على الاستهلاك، أي تباطؤ فيه ينعكس فوراً على الشركات والأرباح والتوظيف، ومع انخفاض الإنفاق، تتراجع المبيعات، فتبدأ الشركات في تقليص التكاليف، وأحياناً تسريح العمالة.
مؤشر الثقة بالأرقام ومتى نُعدّ أن الاقتصاد في ركود؟
اقتصادياً، تراجع مؤشر ثقة المستهلك بنحو 15% خلال عام واحد يُعد إشارة قوية على دخول الاقتصاد مرحلة ركود، وفقاً لتقديرات البنوك الاستثمارية.
يُعد الاقتصاد في حالة ركود عندما يشهد انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لربعين متتاليين على الأقل، وهو ما يعني أن قيمة السلع والخدمات التي يُنتجها الاقتصاد تتراجع لفترة ممتدة بدلاً من النمو المستمر.
كما تعتبر مؤشرات مثل انخفاض الدخل الحقيقي، وارتفاع البطالة، وتراجع الإنفاق العام والخاص، وانخفاض الإنتاج الصناعي والإيرادات مؤشرات تؤكد دخول الاقتصاد في مرحلة الركود، وليس مؤشراً واحداً فقط.
يعتمد المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في الولايات المتحدة (NBER) على هذه المؤشرات مجتمعة لتحديد بداية ونهاية الركود بدقة أكبر.
سوق السندات يهمس بالخطر
يُعد سلوك سندات الخزانة الأميركية من أكثر الإشارات دقة، من الطبيعي أن تعطي السندات طويلة الأجل عائداً أعلى من القصيرة، لكن عندما يحدث العكس، ويصبح العائد على الأجل القصير أعلى، فهذا يعكس تشاؤم المستثمرين بشأن المستقبل.
انعكاس العائد.. علامة تاريخية
خلال العقود الخمسة الماضية، سبق انعكاس منحنى العائد كل ركود اقتصادي تقريباً، لأن المستثمرين يفضّلون السيولة السريعة على الرهان الطويل.
المصانع تدخل منطقة الخطر
يُعد مؤشر مديري المشتريات في قطاع التصنيع مقياساً مباشراً للنشاط الصناعي، فإن هبوطه دون مستوى 50 يعني أن النشاط يتقلص، أما انخفاضه السريع بنحو ثلاث نقاط، أو وصوله إلى 45، فيُعد دلالة واضحة على ركود فعلي.
البطالة تبدأ في الصعود
لا يكتمل الركود من دون ارتفاع البطالة، فإن الزيادة السريعة في عدد العاطلين مقارنة بالعام السابق تعني أن الشركات فقدت الثقة في التوسع، تاريخياً، معدل بطالة عند 5% يُعد طبيعياً، لكن الأزمات الكبرى ترفع هذا الرقم بقوة، كما حدث في أزمة 2008.
الوظائف المؤقتة تختفي أولاً
العمالة المؤقتة هي أول ضحايا التباطؤ، لأنها تُستخدم عادة في فترات النمو، ومع تراجع الطلب، يتم الاستغناء عنها سريعاً.
الاستقالة تتراجع.. الخوف يتقدم
في فترات الركود، يقل عدد الموظفين الذين يتركون وظائفهم طواعية، لأن الشعور بعدم الأمان يهيمن على سوق العمل.
السيارات.. مؤشر كبير بفاتورة كبيرة
غالباً ما تبلغ مبيعات السيارات الجديدة ذروتها قبل الركود مباشرة، ثم تبدأ في التراجع الحاد. فالسيارة من أكبر قرارات الشراء، وعندما يقلق الناس بشأن الدخل، يؤجلونها فوراً.
البورصة ليست مجرد تقلبات
انخفاض الأسهم لفترات قصيرة أمر طبيعي. لكن عندما تهبط غالبية الأسهم بنسبة 20% أو أكثر لأسابيع أو أشهر، فهذا يعكس أزمة ثقة عميقة تمتد إلى الاقتصاد الحقيقي.
الديون تضغط على الأسر
ارتفاع ديون بطاقات الائتمان وتأخر السداد يشير إلى أن الأسر بدأت تعيش على الاقتراض. ومع ارتفاع الفائدة، يصبح السداد أصعب، فتتصاعد حالات التعثر والإفلاس.
الاقتراض من أجل البقاء
في فترات التباطؤ، يقترض الناس لتغطية نفقات المعيشة، لا للاستثمار أو التوسع، ما يزيد هشاشة الاقتصاد.
البناء يتوقف والنمو يتبخر
يُعد تباطؤ قطاع التشييد، خاصة في الاقتصادات التي يعتمد فيها النمو على العقارات، مؤشراً خطيراً، انخفاض الطلب على تصاريح البناء يعكس تشاؤماً طويل الأجل.
البنوك تحت الضغط
يضغط إفلاس الشركات على البنوك، التي تعتمد على سداد القروض، ومع تزايد المخاطر، تشدد البنوك شروط الإقراض، فيتقلص التمويل، ويتجمد الإنفاق.
القروض تُغلق الأبواب
عندما يصعب الحصول على قروض أو رهون عقارية، يتوقف الاستهلاك والاستثمار، وتدخل الدورة الاقتصادية في حلقة هبوط حادة.
التضخم.. حين يصبح سريعاً جداً
التضخم المعتدل طبيعي، لكن تسارعه المفاجئ يربك الشركات والأسر، ارتفاع التكاليف بسرعة يجعل من الصعب تمرير الأسعار للمستهلكين، خصوصاً على الشركات الصغيرة.
الشركات الصغيرة في مأزق
عندما ترتفع التكاليف فجأة، لا تستطيع الشركات الصغيرة رفع أسعارها بالوتيرة نفسها، فتتآكل هوامشها، وتبدأ الأزمة.
الناتج المحلي يحسم الجدل
اقتصادياً، يُعرّف الركود بانكماش الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتاليين، عندها، لا يعود الحديث عن مؤشرات، بل عن واقع اقتصادي قاسٍ.
الركود ليس رقماً في تقرير، بل سلسلة إشارات تبدأ بثقة مكسورة، وتنتهي بخسائر في الوظائف والدخول، فَهْمُ هذه العلامات مبكراً لا يمنع الأزمات، لكنه يمنح الأفراد والشركات فرصة للاستعداد قبل فوات الأوان.
أنواع الركود
الركود ليس حالة واحدة بلا اختلاف، يميز الاقتصاديون بين الركود التقليدي، وهو تباطؤ أو انكماش في النشاط الاقتصادي يمتد لأشهر، وبين الركود التضخمي، الذي يجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع النمو وارتفاع البطالة معاً، ما يجعل استجابته أصعب بكثير.
كما تختلف حالة الركود عن الكساد، الذي يمثل انكماشاً أعمق وأطول، وغالباً يكون مصحوباً بأزمات مالية شاملة تستمر لسنوات.
عندما يدخل الاقتصاد في ركود، يشعر الناس بعدم الأمان المالي، فيقلل الكثيرون من إنفاقهم ويزيدون مدخراتهم، ما قد يعمّق الانكماش، يمكن الاستثمار في التعلّم أو تنويع مصادر الدخل أن يساعد الأسر في تجاوز أوقات الركود.
على مستوى المحافظ الاستثمارية، ينصح الخبراء بتعديل الاستثمارات لتكون أكثر دفاعاً وتحسباً للتقلبات، مثل التحوط ضد المخاطر أو تنويع الأصول، بدلاً من الاعتماد فقط على الأسهم ذات المخاطر العالية.
الشركات أثناء الركود ربما تقلل من التكاليف، تراجع خطط التوسع، أو تعيد هيكلة أعمالها لتحقيق مرونة أكبر.
يمكن لتطوير منتجات جديدة، وتعزيز العلاقات مع العملاء الحاليين، واستخدام تكنولوجيا تزيد من الكفاءة أن يجعل الشركات أكثر قدرة على المقاومة في فترات الركود.
تلعب الحكومات دوراً محورياً عند دخول الاقتصاد في ركود، السياسات المالية، مثل زيادة الإنفاق الحكومي أو تخفيض الضرائب، تُستخدم لتحفيز الطلب ودعم النشاط الاقتصادي.
أما البنوك المركزية، فتستخدم السياسات النقدية مثل خفض الفائدة لتخفيف تكلفة الاقتراض، ما يشجع الشركات والأسر على الاستثمار والإنفاق.
في الركود التضخمي، يصبح التوازن أكثر صعوبة إذ لا يمكن خفض الفائدة بسهولة لأنها قد تُغذي التضخم بدلاً من كبحه.
اعتمد هذا التقرير على بيانات ومعلومات من غلوبال نيوز، وموقع موني وايز، ومنصة إنفستوبيديا، وبيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، إضافةً إلى تحليلات إنفستوبيديا.



