من مجلس السلام إلى إدارة الانقسام وتدوير الأحتلال ، الهيمنة الأمريكية وأزمة الموقف الفلسطيني

من مجلس السلام إلى إدارة الانقسام وتدوير الأحتلال ، الهيمنة الأمريكية وأزمة الموقف الفلسطيني

المؤشر 24-1-2026 

مروان إميل طوباسي

يشكل طرح مسودة ميثاق ما سُمي “مجلس السلام”، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول أمس وقبول نتنياهو الأنضمام له اليوم ، تطورا نوعيا في طبيعة التدخل الأمريكي في مناطق النزاع ، ويتجاوز كونه مبادرة سلام أو إطارا إداريا جديدا لإدارة الأزمات . فقراءة لبنية هذا الميثاق ، وآليات اتخاذ القرار فيه ، تكشف أنه محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي ، واستبدال منظومة الأمم المتحدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ، بهيئة بديلة خاضعة بالكامل للإرادة الأمريكية ، بما يعكس منطق الهيمنة الأحادية في مرحلة تشهد اليوم اهتزازاً عميقا في بنية النظام العالمي ومتغيرات متسارعة .

الميثاق المعلن لهذا المجلس يمنح ترامب موقعا مركزيا شبه مطلق ، سواء في دعوة الدول للعضوية ، أو في تحديد مدتها ، أو في التحكم بالتمويل المطلوب منها ، أو في حق النقض الفعلي على قرارات المجلس . فعضوية “مجلس السلام” هذا ليست نتاج توافق دولي أو آليات تمثيلية ، بل دعوة شخصية مشروطة ، تترافق مع متطلبات مالية باهظة ، تجعل من “السلام” سلعة سياسية تُشترى بالمال والنفوذ .

بذلك ، لا يعود المجلس منظمة دولية بالمعنى القانوني ، بل أداة تنفيذية تعكس ميزان القوة الأمريكي ، وتُفرغ مفاهيم الشرعية الدولية والقانون الدولي من مضمونها .

الأخطر في هذا الطرح ليس فقط تهميش الأمم المتحدة ومؤسساتها التي بدأت الولايات المتحدة الانسحاب منها ، بل السعي الواعي لاستبدالها . فالأمم المتحدة ، رغم أزماتها البنيوية وعجزها عن إنصاف شعبنا الفلسطيني ، تبقى الإطار الدولي الذي يستند إلى مبدأ تعددية الأطراف ، ويمثل أحد ميادين الصراع السياسي والقانوني مع الأحتلال . أما “مجلس السلام” الذي يعلن عنه ترامب اليوم ، فيقوم على نفي هذا المبدأ ، ويستبدله بإدارة فوقية للأزمات ، تُقاس فعاليتها بمدى انسجامها مع الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي التي أعلنت مؤخراً المعتمدة على مبدأ مونرو ودور الوكلاء ، لا بمدى عدالتها أو احترامها لحقوق الشعوب .

على الصعيد الدولي ، لم يحظى هذا المشروع بقبول واسع . فقد عبرت دول أوروبية مؤثرة والاتحاد الأوروبي عن تحفظات جدية ، محذرة من تقويض دور الأمم المتحدة وإضعاف النظام الدولي القائم على القانون . كما أبدت كل من روسيا والصين تحفظا واضحا على الطابع الأحادي للمجلس ، وأكدت ضرورة احترام الشرعية الدولية وعدم تجاوز المؤسسات الأممية وذلك منذ أن أمتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن المتعلق لغزة ، والذي لم يفهم البعض أسبابه في حينها . أما دول “البريكس” والجنوب العالمي ، ورغم غياب موقف موحد حتى اللحظة ، فإن توجهها العام يميل إلى تعزيز نظام دولي متعدد الأقطاب ، ورفض آليات الهيمنة الأمريكية والتهديدات المستمرة بشأن سيادة الدول واستقلال ووحدة أراضيها ، ما يجعل فرص نجاح هذا المجلس محدودة دوليا ، وإن لم تكن معدومة باعتقادي .

غير أن خطورة ميثاق “مجلس السلام” لا تكمن فقط في بنيته الدولية ، بل في قابليته للترجمة على المستوى المحلي ، وخصوصا في حالتنا الفلسطينية . فالمشاريع الدولية لا تُفرض بالقوة وحدها ، بل تنجح حين تجد فراغاً سياسيا أو انقساما داخليا أو قوى محلية مستعدة ، عن قصد أو بدونه ، للأنتقال من منطق التحرر الوطني إلى منطق إدارة الأزمة في اطار ما يسمى بظروف الأمر الواقع .

في هذا السياق ، تبرز أزمة الموقف الفلسطيني ، سواء على مستوى السلطة أو بعض قوى اليسار المنظم . فالتعاطي الإيجابي أو المتردد مع أفكار من قبيل “لجنة تكنوقراط لإدارة غزة”، أو التعامل مع القطاع كملف إنساني–إداري منفصل عن سياق التحرر الوطني ، يشكل مدخلا موضوعيا لإعادة إنتاج منطق “مجلس السلام” وخطة ترامب ، حتى وإن جرى ذلك تحت عناوين وطنية أو إنسانية ، وفق ما أشرت له بمقالي السابق حول الموضوعوع .

إن مشاركة بعض فصائل "اليسار الفلسطيني" ، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركة المبادرة الوطنية ، في اجتماعات القاهرة إلى جانب "حركة حماس" و”مجموعة دحلان”، والموافقة على مقاربة إدارة غزة عبر لجنة تكنوقراط سندا لخطة ترامب ، لا يمكن قراءتها كخطوة تكتيكية معزولة . فهي تعكس انتقالا مقلقاً من موقع النقد والمساءلة إلى موقع التكيف مع الانقسام ومع الرؤية الأمريكية لإعادة تدوير الأحتلال ومع فكر ومنهج الإسلام السياسي ، بما يساهم عمليا في فصل غزة عن المشروع الوطني التحرري الجامع ، وتحويلها إلى كيان يُدار لا ساحة تُقاوم هذا المشروع كما كان يدعي أصحاب ذلك الرأي ، رغم حق شعبنا بالمقاومة باشكالها المختلفة كمنهج حياة .

وفي المقابل ، فرغم غياب حركة “فتح” عن اجتماع القاهرة الذي أقر القبول بتفاصيل مجلس السلام والخطة وتشكيل اللجنة الادارية التكنوقراطية ، فان ذلك لا يعفيها من المسؤولية الوطنية ، خاصة في ظل تصريحات بعض المسوؤلين منها المرحبة بفكرة لجنة التكنوقراط التي إعتبر رئيسها المُعين ، ان خطة ترامب هي مرجعية اللجنة وفق إعلانه امس ، ذلك في ظل غياب موقف واضح وصريح ومعلن من اللجنة المركزية "لفتح" أو من مجلسها الثوري الذي انعقد بالفترة الاخيرة دون التطرق لذلك ، رغم وجود المواقف الرافضة لتلك الخطة التي تُعلن من بعض مكونات الحركة . هذا الصمت المُلتبس يسهل تمرير مقاربات خطيرة تمس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية ، كما والنظام السياسي المتأزم أصلا بفعل عوامل عدة ، ويضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية واستمرار الأحتلال .

مع ذلك ، من الضروري هنا التمييز بين اليسار كمنهج فكري تحرري نشأ بفلسطين مع تاسيس عصبة التحرر الوطني والفكر الشيوعي منذ الانتداب الأول على فلسطين ، وبين اليسار كفصائل وتنظيمات . فاليسار ، بوصفه فكرا نقديا وطنيا ديمقراطيا ، لا يزال حاضرا داخل حركة “فتح” منذ انطلاقتها ، وبين الوطنيين المستقلين في مؤسسات منظمة التحرير منذ تأسيسها ، وبين أوساط واسعة ترفض الأصطفاف خلف "حركة حماس" كجزء من حركة الإخوان المسلمين أو القبول بالإملاءات الأمريكية . هؤلاء وهذه التيارات الوطنية يشكلون رصيدا سياسيا وأخلاقيا يجب استنهاضه من داخل "فتح" والقوى الوطنية الأخرى ومن حولها خاصة من الشباب للدفاع عن وحدة القضية ، وعن مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية ، وعن المساءلة والمشاركة السياسية الديمقراطية وعن العدالة الإجتماعية وإصلاح نظامنا السياسي بقرار وطني مستقل ، وفهم الصراع مع الأحتلال بوصفه صراعا مع مشروع صهيوني استعماري ، لا مجرد أزمة إنسانية او أدارة شوؤن حياة .

أمام هذا المشهد ، تصبح الحاجة إلى مراجعة نقدية جريئة منذ ان تم أتفاق أوسلو ولاحقا ما تم بالسابع من أكتوبر رغم حق شعبنا بالمقاومة ، من اجل الوصول لموقف فلسطيني واضح وموحد مسألة استراتيجية لا تحتمل التأجيل اليوم . موقف يرفض استبدال الأمم المتحدة بهيئات وصاية جديدة ، ويرفض إدارة الانقسام تحت أي مسمى أو تدوير مفهوم الأحتلال الذي يتوجب مقاومته ، ويعيد الإعتبار لمنطق التحرر الوطني ، والوحدة والشرعية الدولية كما وأسس القانون الدولي ، ولدور منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة وكمرجعية تمثيلية وحيدة تحتاج الى الإصلاح والديمقراطية الانتخابية بشكل عاجل ، لمواجهة مخاطر هذا المشروع الجديد الهادف الى تصفية قضيتنا ووجودنا .

في المحصلة ، “مجلس السلام” وميثاقه المعلن ليس مشروع سلام ، بل أداة لإدارة الصراعات حول العالم وفق منطق الهيمنة الأمريكية ، وفي حالتنا تنفيذ رؤية الشرق الأوسط الجديد بما في ذلك مشروع أسرائيل الكبرى . والرد عليه لا يكون بالانكفاء أو التكيف معه تحت شعارات وتبريرات "الواقعية السياسية" المُفرغة من المضمون التحرري ، بل باستعادة الإرادة السياسية الوطنية وتوحيد الموقف الفلسطيني والدفاع عن جوهر القضية كقضية تحرر وطني ، لا كملف يُدار أو أزمة تُحتوى .