جماهير كأس العالم تحوّل المدرجات إلى منصة تضامن مع فلسطين
المؤشر 15-07-2026 تحوّلت بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا العام إلى ساحة بارزة للتعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية، رغم عدم مشاركة المنتخب الفلسطيني في المنافسات، وفي ظل ما يصفه مراقبون بحملات تضييق متزايدة على الاحتجاجات والتعبير المتضامن مع فلسطين في عدد من الدول.
ويرى الكاتب الأمريكي ديفيد فاين، في مقال نشره موقع Foreign Policy In Focus بتاريخ 14 يوليو/تموز 2026، أن ما شهدته البطولة من مظاهر الدعم للفلسطينيين يمثل أحد أكثر المشاهد إلهامًا في تاريخ البطولة، خاصة أنها جاءت في وقت لا تزال فيه الحرب في قطاع غزة تلقي بظلالها على الرأي العام العالمي.
ويشير فاين إلى أن مشجعين ولاعبين ومدربين من دول عدة، بينها مصر وإسكتلندا والبرازيل وكوريا الجنوبية والمغرب والمكسيك وتركيا والنرويج والسنغال والبوسنة والهرسك والجزائر وإسبانيا، وربما من جميع المنتخبات الثمانية والأربعين المشاركة، عبّروا علنًا عن دعمهم للفلسطينيين، مؤكدين حقهم في الحياة والحرية والعود
ووفق المقال، لم تقتصر مظاهر التضامن على الجماهير، بل امتدت إلى أرضية الملاعب نفسها، حيث رُفعت الأعلام الفلسطينية في المدرجات، كما حملها لاعبون ومدربون خلال المباريات. كذلك دوّت هتافات “فلسطين حرة” داخل الملاعب وفي الشوارع المحيطة بها، بينما حضر آلاف المشجعين وهم يرتدون قمصان المنتخب الفلسطيني.
كما رفع متابعون لافتات كُتب عليها “اطردوا إسرائيل من الفيفا” و”بطاقة حمراء لإسرائيل”، في إشارة إلى مطالبة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) باتخاذ إجراءات بحق إسرائيل، مستلهمين البطاقة الحمراء التي تعني طرد اللاعب من المباراة ومنعه من مواصلة اللعب بسبب مخالفة جسيمة.
ويرى فاين أن هذا المشهد اكتسب أهمية إضافية لأنه جاء خلال بطولة يقول إنها لم تسلم، مثل بطولات سابقة، من الاتهامات المتعلقة بالفساد. ويشير في هذا السياق إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدخل، بحسب المقال، لدى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من أجل إلغاء عقوبة البطاقة الحمراء التي تعرّض لها لاعب أمريكي حتى يتمكن من المشاركة مع منتخب بلاده، الذي خسر لاحقًا مباراة وصفها الكاتب بأنها كانت من طرف واحد.
كما يتحدث المقال عن منح رئيس الفيفا ترامب “جائزة سلام” رمزية قبل فترة قصيرة من انضمام الولايات المتحدة إلى إسرائيل في الحرب على إيران، وهي الحرب التي يصفها الكاتب بأنها غير قانونية وغير شعبية تاريخيًا.
ويؤكد فاين أن رفع الأعلام الفلسطينية أو ترديد الهتافات داخل الملاعب لا يؤدي، بمفرده، إلى تغيير الواقع على الأرض، لكنه يلفت إلى أن أيام البطولة نفسها شهدت استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي يقول إنها أسفرت عن مقتل عشرات الفلسطينيين، في ظل استمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل.
ويورد الكاتب مثالًا على ذلك باستشهاد محمد الوحيدي، ممثل إحدى المنظمات الإنسانية المصرية العاملة في غزة، إلى جانب طفلين وشخص آخر، قبل مباراة جمعت الأرجنتين ومصر، في اليوم ذاته الذي كان ينظم فيه فعالية لمشاهدة المباراة في مدينة غزة. ويشير المقال إلى أن الوحيدي يُعدّ واحدًا من أكثر من ألف فلسطيني، بينهم مئات النساء والأطفال، قالت التقارير إنهم استشهدوا على يد الجيش الإسرائيلي منذ إعلان وقف إطلاق النار الرسمي خلال العام الماضي.
وينقل فاين عن الصحافية الفلسطينية دينا الكرد تأكيدها أن البطولات الرياضية لا تستطيع، بمفردها، إنهاء معاناة الفلسطينيين، موضحة أن العائلات الفلسطينية لن تستعيد منازلها لأن أشخاصًا رفعوا علمًا في أحد الملاعب، إلا أنها ترى أن الحركات الشعبية تتشكل بمرور الوقت، من خلال لحظات الظهور العلني، وتراكم الضغوط، والإصرار على إبقاء القضية حاضرة في الوعي العالمي وعدم السماح بتغييبها.
ويتوقف الكاتب عند موقف مدرب المنتخب المصري حسام حسن، الذي يصفه بأنه من أكثر الشخصيات الرياضية جرأة واستمرارًا في التعبير عن تضامنه مع الفلسطينيين. ففي مؤتمر صحافي، قال حسن إنه قبل أن يكون عربيًا أو مسلمًا أو مسيحيًا أو أي شيء آخر، فهو إنسان، مضيفًا أنه يريد، من خلال كرة القدم بوصفها القوة الناعمة الأكبر في العالم، أن يوجه رسالة يطالب فيها بترك الشعب الفلسطيني يعيش، داعيًا الرياضيين والصحافيين في مختلف أنحاء العالم إلى المساعدة في إيصال هذه الرسالة.
ويخلص فاين إلى التساؤل عمّا إذا كانت هذه الرسالة تستحق أن تكون محور نقاش في جلسات مشاهدة المباريات، وفي المقاهي، وبين أفراد العائلات خلال الأدوار النهائية من كأس العالم وما بعدها، معتبرًا أن البطولة وفرت فرصة لتسليط الضوء على القضية الفلسطينية أمام جمهور عالمي واسع.
ويشير الكاتب إلى أنه سيعبّر شخصيًا عن تضامنه من خلال ارتداء قميص يحمل ألوان فلسطين، واستغلال متابعة مباريات البطولة لجمع تبرعات مخصصة للإغاثة الإنسانية في قطاع غزة، معتبرًا أن فتح نقاش حول أخلاقية استمرار الدعم العسكري الأمريكي للحكومة الإسرائيلية يمثل خطوة أولى في طريق أوسع.
ويختتم فاين مقاله بنقل كلمات الصحافية الفلسطينية دينا الكرد، التي قالت إنها شعرت بنوع من الأمل عندما شاهدت الأعلام الفلسطينية ترفرف في ملاعب كأس العالم، موضحة أن هذا الأمل لا يتمثل في توقع حلّ قريب أو سهل، وإنما في الإحساس بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم، وأن قضيتهم ما زالت حاضرة ولم تُنسَ.



