الحقوق لا تسقط بالتقادم

الحقوق لا تسقط بالتقادم

المؤشر 12-07-2026 

الكاتب: د. سهيل الأحمد

لا تستقيم المجتمعات إلا إذا شعر كل إنسان فيها أن حقه محفوظ، وأن أمواله مصونة، وأن الناس يتعاملون فيما بينهم بضمير حي، وخوف من الله، وصدق في المعاملة. فيا سعادة ورقي كل من بادر إلى أداء الحقوق قبل أن تُطلب منه، بل وسارع إلى الوفاء بها قبل أن يُطالب بذلك، فجعل رضا الله فوق كل مصلحة، وأدرك أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وأن حسن الخاتمة تبدأ من سلامة الذمة، ونقاء اليد، وأداء الحقوق إلى أهلها.. وإن من أعظم القيم العدل، وأداء الحقوق إلى أهلها، وصيانة أموال الناس من الظلم والاعتداء. وإن الوفاء بالحقوق من علامات الإيمان، وأداء الأمانات من صفات الصالحين.. ولقد حذَّر الشرع من التهاون في حقوق العباد، فبين أن الله سبحانه قد يعفو عن حقه إذا شاء، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بأدائها أو بعفو أصحابها.

إن المال الذي تُحبس به حقوق الناس قد يبدو كثيرًا في أعين أصحابه، لكنه قليل البركة، سريع الزوال؛ لأن البركة ثمرة الطاعة والعدل، لا ثمرة الظلم والتعدي. وما نبت من ظلم فلا خير فيه، وما قام على أداء الحقوق باركه الله ونمّاه.

وإن من أخطر صور الظلم التي ابتُلي بها كثير من الناس في هذا الزمان تأخير أداء الحقوق المالية دون عذر، أو المماطلة في سداد الديون، أو حبس مستحقات الناس مع القدرة على الوفاء. وقد يظن بعضهم أن تأخير الدفع أمر يسير، وهو في الحقيقة ظلمٌ بيِّن، وإثمٌ عظيم، وتعدٍّ على حقوق الآخرين، قد يجرُّ على صاحبه سخط الله تعالى ودعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب. فقد قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا"، وقال سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ". واكدت السنة النبوية هذا الأصل، ففي الحديث: «مطل الغني ظلم»، أي إن تأخير القادر على السداد لما عليه من دين هو ظلم محرم، لأنه يحرم صاحب الحق من ماله، ويوقعه في الضيق والحرج.

وكم من إنسان ينتظر حقه ليقضي دينًا، أو يعالج مريضًا، أو ينفق على أسرته، أو يسد حاجةً ضرورية، فيأتيه الظلم من شخص قادر على الوفاء، لكنه يؤخر السداد بلا سبب، غير مبالٍ بما يخلِّفه هذا التأخير من ألمٍ ومعاناة. وما أشد قسوة القلب حين ينام الظالم مطمئنًا، بينما يقضي صاحب الحق ليله مهمومًا ينتظر إنصافًا طال أمده. وليس الظلم مقتصرًا على إنكار الحقوق، بل إن تأخيرها بغير حق لونٌ من ألوان الظلم، لأن المال يبقى متعلقًا بصاحبه، وتأخير تسليمه قد يفوِّت عليه مصالحه، ويكبده خسائر، ويزرع في قلبه الحسرة. وقد قرر الفقهاء أن الضرر يزال، وأن الحقوق يجب أن تؤدى في أوقاتها دون تسويف أو مماطلة. وإذا كان المدين معسرًا لا يجد ما يوفي به، فإن الشريعة تدعو إلى الرفق به، قال تعالى: "وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ". أما من كان قادرًا ثم يؤخر الوفاء تهاونًا أو استغلالًا أو تكبرًا، فإنه داخل في وعيد الظالمين، ومتعرض للمساءلة أمام الله تعالى قبل أن يُسأل أمام الناس.

ولا يقف أثر المماطلة عند الفرد، بل يمتد إلى المجتمع كله، فتضعف الثقة بين الناس، وتتردد المعاملات، وتتعطل المصالح، ويحل الشك محل الاطمئنان، وتفقد الأسواق أهم مقوماتها، وهو الثقة المتبادلة بين المتعاملين.

 

إن الحقوق المالية ليست أرقامًا تُكتب في الدفاتر، وإنما هي أمانات تتعلق بها ذمم أصحابها، وستكون محل سؤال يوم القيامة، يوم يقف الناس بين يدي الله تعالى، فتؤدى الحقوق، ويقتص للمظلوم من الظالم، حتى إنه يؤخذ من حسنات الظالم، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

إن المال الذي تُحبس به حقوق الناس قد يبدو كثيرًا في أعين أصحابه، لكنه قليل البركة، سريع الزوال؛ لأن البركة ثمرة الطاعة والعدل، لا ثمرة الظلم والتعدي. وما نبت من ظلم فلا خير فيه، وما قام على أداء الحقوق باركه الله ونمّاه.

فليحذر كل من كانت في ذمته حقوق للناس، وليجعل المبادرة إلى الوفاء بها عبادةً يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن الأموال تزول، والمناصب تنقضي، ولا يبقى للعبد إلا عمله الصالح، وسلامة ذمته، وبراءة صحيفته من حقوق العباد. فالسعيد من لقي الله وليس في عنقه مظلمة لأحد، ولا حق مؤخر، ولا أمانة مفرط فيها. وليحرص كل من ائتمنه الناس على أموالهم، وليبادر إلى أداء هذه الحقوق قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا سلطان. وليعلم أن البركة لا تكون في مالٍ حُبس عن أصحابه، ولا في تجارة قامت على ظلم، ولا في ربح تأخر بسبب أذى الخلق. وإنما البركة في الصدق، والأمانة، وسرعة الوفاء، وحفظ الحقوق..