الضفة الغربية ليست هدية من واشنطن... بل ضرورة لمنع الانهيار.
المؤشر 06-07-2026
بقلم: اياد مصطفى (باحث اقتصادي).
منذ أن نشرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الإدارة الأميركية تعتزم طرح ملف الضفة الغربية على طاولة لقاء الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، سارعت بعض التحليلات إلى تصوير الأمر وكأنه تحول استراتيجي في السياسة الأميركية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، أو بداية ضغوط غير مسبوقة على حكومة نتنياهو.
غير أن قراءة متأنية للمشهد، في ضوء ما تنشره الصحافة الإسرائيلية والأميركية، وما تقوله المؤسسات الاقتصادية الدولية، تقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا: الولايات المتحدة لا تغير سياستها، بل تحاول منع انهيار الوضع الفلسطيني الذي بات يهدد المصالح الإسرائيلية والأميركية معًا.
فالصحافة الإسرائيلية، بما فيها صحف مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت، تنقل منذ أشهر تحذيرات متكررة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار انهيار السلطة الفلسطينية سيجبر الجيش الإسرائيلي على تحمل أعباء أمنية وإدارية أكبر في الضفة الغربية، وهو سيناريو لا ترغب به المؤسسة العسكرية حتى في ظل حكومة يمينية مؤيدة للاستيطان. كما نقلت وكالة رويترز أن الحكومة الإسرائيلية مستمرة في الدفع نحو توسيع الاستيطان، رغم التحفظات الدولية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من انعكاسات ذلك على الاستقرار الأمني.
الاقتصاد الفلسطيني... بيت القصيد
السبب الحقيقي للتحرك الأميركي ليس سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي وأمني.
فوفقًا لأحدث تقرير للبنك الدولي، وصلت السلطة الفلسطينية إلى واحدة من أخطر أزماتها المالية منذ تأسيسها، مع تراجع الإيرادات، واستمرار احتجاز أجزاء من أموال المقاصة، وارتفاع الدين العام والمتأخرات الحكومية، إضافة إلى أزمة سيولة خانقة تهدد قدرة الحكومة على دفع الرواتب واستمرار الخدمات الأساسية.
كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يواجه اختلالات هيكلية عميقة، وأن أي تعافٍ اقتصادي يتطلب إجراءات متزامنة من السلطة الفلسطينية وإسرائيل والمجتمع الدولي، وفي مقدمتها تخفيف القيود على الحركة والتجارة وضمان انتظام تحويل الإيرادات الفلسطينية.
هذه ليست مطالب فلسطينية، وإنما توصيات صادرة عن أكبر مؤسستين ماليتين في العالم.
واشنطن لا تبحث عن سلام... بل عن الاستقرار
الحديث عن إزالة بعض الحواجز أو تحويل أموال المقاصة أو الحد من عنف المستوطنين لا يمثل تحولًا في الموقف الأميركي من الصراع.
بل يعكس قناعة داخل الإدارة الأميركية بأن انهيار السلطة الفلسطينية سيخلق فراغًا أمنيًا قد ينعكس على إسرائيل نفسها، ويقوض أي ترتيبات إقليمية تعمل واشنطن على بنائها بعد الحرب مع إيران.
ولهذا فإن المطالب الأميركية، إذا صحت التقارير الإسرائيلية بشأنها، تندرج ضمن إدارة الأزمة لا حل الأزمة.
بل إن تقارير رويترز كشفت أيضًا أن واشنطن ناقشت أفكارًا تتعلق باستخدام جزء من أموال المقاصة الفلسطينية ضمن ترتيبات مرتبطة بإعادة إعمار غزة والإصلاحات الفلسطينية، وهو ما يؤكد أن الملف الاقتصادي يحتل أولوية في التفكير الأميركي.
حتى إسرائيل تدفع الثمن
المفارقة أن الاقتصاد الإسرائيلي نفسه لم يخرج من الحرب دون خسائر.
فصندوق النقد الدولي خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي خلال عام 2026، محذرًا من استمرار تأثير التوترات الإقليمية وارتفاع الإنفاق العسكري على المالية العامة.
وبالتالي، فإن واشنطن تدرك أن استمرار التصعيد في الضفة الغربية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضيف أعباءً اقتصادية وأمنية على إسرائيل أيضًا.
السلطة الفلسطينية... ضرورة وليست خيارًا
تتعامل بعض التحليلات مع السلطة الفلسطينية باعتبارها الطرف الذي ينتظر منحة أميركية.
لكن الواقع الذي تؤكده التقارير الدولية مختلف؛ فالسلطة تمثل اليوم الإطار الإداري الذي يمنع انهيار الخدمات العامة في الضفة الغربية، واستمرارها يمثل مصلحة فلسطينية وإسرائيلية ودولية في آن واحد، حتى وإن اختلفت دوافع كل طرف.
لذلك فإن أي إجراءات تتعلق بالمقاصة أو تخفيف القيود ليست مكافأة سياسية، وإنما محاولة لمنع انهيار اقتصادي قد يتحول سريعًا إلى أزمة أمنية واسعة.
ومن هنا يستخلص الكاتب بأنه
ليس صحيحًا أن ملف الضفة الغربية عاد إلى واجهة الاهتمام الأميركي بسبب تغير جوهري في الموقف من الاحتلال أو الاستيطان.
كما أنه ليس صحيحًا أن الضغوط الأميركية تمثل بداية مواجهة مع حكومة نتنياهو.
الأقرب إلى الواقع أن الولايات المتحدة تدير توازنًا دقيقًا بين دعم إسرائيل، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والأمني في الضفة الغربية، لأن انهيار السلطة الفلسطينية سيحمل كلفة استراتيجية على الجميع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي هنا: هل تكفي الإجراءات الاقتصادية والإدارية المحدودة لمنع الانهيار، في ظل استمرار الاستيطان والقيود على الاقتصاد الفلسطيني؟



