دولتان في بلاد واحدة : اللغة والصوت
المؤشر 15-06-2026
الكاتب: عوني المشني
خطان متناقضان ولكنهما يصبان في ذات ذات النهر ، التوجه اليميني الفاشي الذي يجتاح المجتمع الإسرائيلي ، نزعة الثأر والغضب المنفلت من اي سيطرة والتي تاتي في المجتمع الفلسطيني انعكاسا للإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتعذيب الممنهج والوحشي في المعتقلات الإسرائيلية ، خطان يغذيان التطرف والارهاب ، هذا الوضع لن يساهم في كسر دائرة العنف الذي سيطر على المنطقة وجعل الشعبان اسرى له طيلة قرن من الزمن . ورغم انه لا مساواة مطلقا بين الضحية والجلاد على اعتبار ان الفلسطينيين هم ضحايا الجرائم الاسرائيلية المتواصلة منذ ما يزيد عن قرن من الزمن إلا هناك مساواة في الطموح باقامة سلام على اساس العدل والمساواة الفردية والجمعية للشعبين .
تاتي حركة دولتان في بلاد واحدة بلغة جديدة متحررة من نزعات التطرف القومي ، من النزعة الثأرية ، من الأساطير الدينية ، لغة تنطلق من الواقع المرير لتغييرة ، اخذة في الاعتبار كاساس جوهري القيم الاخلاقية الإنسانية ومحكومة قسرا بالقوانين الدولية الإنسانية والتراث الحضاري الإنساني ، تاتي حركة دولتان في بلاد واحدة بلغة واضحة صادقة وجريئة ، لغة غير مرتجفة وتستوعب المتغيرات وثابتة مع بناء مستقبل من السلام والمساواة الفردية والجماعية الحقيقية الخالية من العنصرية ونزعات التفوق .
ان القيم التي تحكم لغتنا السياسية واضحة ومحددة : اولا الالتزام الحقيقي والواضح بوجود شعبين على هذه الارض وان الطريق الوحيد لضمان حقوقهما باستمرار وجودهما في هذا الارض هو تحقيق المساواة الفردية والجمعية بينهما ، المساواة الفردية عبر اجتثاث ثقافة وقوانين وسياسات التمييز العنصري ، والمساواة الجمعية عبر حق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة وكاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ بعد انهاء الاحتلال وكل نتائجه وتداعياته .
ثانيا : منطلقات ولغة والمفاهيم السياسية لحركة دولتين في بلاد واحدة تنطلق القيم الاخلاقية الإنسانية ومن القانون الدولي الإنساني الواضح والمحدد ، عبر التاريخ يوجد ثلاث محددات تحدد اللغة السياسية : القانون الدولي الإنساني او المفهوم الديني المقدس او ميزان القوى ، حركتنا لا تستند إلى قانون الغاب والذي هو جوهر مضمون ميزان القوى ولا إلى سرديات دينية متناقضة لا يوجد سند تاريخي لها ، انها تستند إلى الإجماع الإنساني المتمثل بالقانون الدولي الإنساني ، هذا القانون التي يعتبر ان الاستيطان هو غير شرعي تحت اي ظرف وكل اجراءات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية هي باطلة وغير شرعية ، والتي تعتبر ان هناك ابادة جماعية في قطاع غزة وتطهير عرقي وتمييز عنصري في الضفة الفلسطينية ، وان هناك حق للشعوب في مقاومة الاحتلال التي يقع على ارضها ، تلك القوانين التي تعتبر وجود الاحتلال في المناطق المحتلة عام ١٩٦٧ هو وجود غير شرعي ويجب انهاءه ، تلك القوانين التي تعتبر ان هناك حق غير قابل للتقادم بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي هجروا منها ، وهذا ليس اكثر من جزء من تلك القوانين …. هذه القوانين هي التي تشكل منطلق لفكر وثقافة ولغة دولتين في بلاد واحدة .
ثالثا : ان لغة دولتين في بلاد واحدة تنطلق من حقيقة ان هدف تلك الرؤية هي الوصول إلى سلام يستند إلى العدالة دون اغفال معطيات الواقع الموضوعي على الارض ولكن دون الارتهان لموازين القوى ايضا ، سلام يضمن حق الشعبين في العيش على هذه الارض ، ومن اجل هذا فاننا نسعى إلى تعميق ثقافة ومفاهيم وقناعات من نوع مختلف ، ثقافة احترام الاختلاف والخصوصية الفردية والقومية ، ومفاهيم المساواة والاحترام المتبادل ، وقناعات بقدسية الإنسان وكرامته . ان العمل من اجل ذلك يتطلب لغة واضحة وقوية وبدون اعتبارات سياسية مؤقته .
رابعا : ان لغة دولتين في بلاد واحدة تنطلق من الهدف الذي تسعى اليه ، دولتان كاملتا الاستقلال والسيادة على حدود ما قبل حرب حزيران عام ١٩٦٧ ، دولتان مفتوحتا الحدود مع حرية الاقامة والتنقل تتشاركان في عاصمة مشتركة هي القدس ، القدس بشقيها الشرقي والغربي تحت إدارة امنية دولية وبادارة مدنية متساوية بين الشعبين وبدون فواصل ولا حواجز . ، وهذا يعني انها لغة المستقبل الواعد ، والمساواة الكاملة ، واحترام إنسانية البشر وحقوقهم وكرامتهم ، لا يوجد لغة تتناقض مع الهدف ولا لغة متناقضة او مجتزأة ، لدى دولتين في بلاد واحدة لغة تمتلك قدر كافي من الجرأة لتسمية الأشياء بمسمياتها ، لا يوجد جرائم مقبولة وجرائم مرفوضة ، انتهاك حقوق الإنسان ايا كان مصدره وايا كان ضحيته هو جريمة ، التمييز العنصري ايا كان شكله هو جريمة ، التهجير القصري مهما كان تبريره فهو جريمه ، الاحتلال والسيطرة على شعب آخر مهما كان شكله هو جريمة ، العنف واهدار كرامة البشر وايذاء المدنيين وبغض النظر عمن يرتكبه هو جريمة .
ان لغة هذه الحركة هذه هي جزء من رؤيتها كتجسيد لفلسفة تلازم الفكرة مع اللغة والذي هو الاساس الفلسفي للسياسات الصادقة والمرتبطة بالقيم التي تحكمها والمفاهيم السياسية التي تشكل جوهرها ، ولا يمكن الفصل او التجزئة بين تلك الرؤيا ولغتها هذه . ان حركة لغتها تشبه قيمها ومبادءها منسجمة مع قناعاتها وفية لشعبيها ، ان حركة دولتين في بلاد واحدة لا تمتلك الرؤية فقط بل وتمتلك اللغة المجسدة للرؤية ، يشكل هذا الانسجام بينهما هوية هذه الحركة والرقم السري الذي يفتح الباب لفهمها واستيعابها ، انها لغة وفكرة ملتزمة بصناعة مستقبل تسوده قيم السلام والحرية والمساواة والاحترام المتبادل .



