كيف فقدت إسرائيل السيطرة على سوق العمال الأجانب؟
المؤشر 31-05-2026 تشهد إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحولاً جذرياً في سياستها تجاه العمال الأجانب، حيث انتقلت من سياسة تقييد صارمة للهجرة العمالية إلى توسع غير مسبوق في استقدام العمال من الخارج، في خطوة يعتبرها منتقدون أنها تمت دون تخطيط استراتيجي أو دراسة شاملة لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
قفزة هائلة في أعداد العمال الأجانب
قبل الحرب، كانت الحكومات الإسرائيلية تنظر إلى العمالة الأجنبية باعتبارها "ضرورة غير مرغوبة"، بسبب مخاوف تتعلق بسوق العمل والطابع الديمغرافي للدولة.
لكن بعد حرب أكتوبر 2023 ومنع دخول معظم العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية، قررت الحكومة توسيع الاعتماد على العمال الأجانب بشكل كبير.
عدد العمال الأجانب المسموح به ارتفع من 136 ألفاً نهاية 2023 إلى 336 ألف عامل.
وتناقش الحكومة حالياً رفع السقف إلى 400 ألف عامل.
يوجد حالياً نحو 196 ألف عامل أجنبي قانوني.
إضافة إلى 44.6 ألف عامل غير قانوني.
المجموع يقارب 240 ألف عامل أجنبي.
وبذلك أصبحت إسرائيل خلال أقل من ثلاث سنوات من أكثر الدول اعتماداً على العمالة الأجنبية مقارنة بحجم سكانها.
الدافع الحقيقي: استبدال العمال الفلسطينيين
بحسب التقرير، فإن الدافع الأساسي وراء هذه السياسة ليس وجود نقص عام في العمالة، بل قرار سياسي وأمني يقضي بتقليل الاعتماد على العمال الفلسطينيين.
فحتى أكتوبر 2023 كان يعمل في إسرائيل نحو:
156 ألف عامل فلسطيني.
بينهم 37 ألفاً من دون تصاريح.
وبحسب بيانات وزارة المالية الإسرائيلية، عاد حتى نهاية 2025 فقط نحو 34 ألف فلسطيني للعمل لدى مشغلين إسرائيليين، معظمهم داخل المستوطنات في الضفة الغربية.
لذلك جرى عملياً استبدال جزء كبير من العمال الفلسطينيين بعمال أجانب.
وزارة المالية: لا يوجد نقص عام في العمالة
المفارقة التي يبرزها التقرير هي أن الدراسات الرسمية نفسها لا تؤيد التوسع الحالي.
فقد خلصت دراسة صادرة عن قسم الاقتصادي الرئيسي في وزارة المالية في ديسمبر 2025 إلى:
"باستثناء حالات محددة، لا نرصد نقصاً في العمالة على المستوى الاقتصادي الكلي."
وبحسب الدراسة:
النقص الحقيقي موجود أساساً في قطاع البناء.
لا توجد أدلة قوية على نقص مشابه في قطاعات التجارة أو الصناعة.
ورغم ذلك تستمر الحكومة في توسيع الاستقدام.
غياب التخطيط الحكومي
انتقدت عدة جهات رسمية غياب رؤية شاملة للسياسة الجديدة.
مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست ذكر أنه حاول معرفة الأسس التي تُحدد على أساسها حصص العمال الأجانب، لكنه لم يجد منهجية واضحة أو قاعدة بيانات معتمدة.
كما أشار إلى عدم وجود دراسة كافية لتأثيرات مثل:
الضغط على البنية التحتية.
تأثير العمالة الأجنبية على الأجور.
التأثير على العمال الإسرائيليين ذوي الدخل المنخفض.
الانعكاسات الاقتصادية في حالات الطوارئ.
تأثير محتمل على الأجور والبطالة
تخشى وزارة المالية والنقابات العمالية من أن يؤدي التدفق الكبير للعمال الأجانب إلى:
1. الضغط على أجور الفئات الضعيفة
أصحاب العمل قد يفضلون العمال الأجانب لأنهم أكثر استعداداً للعمل لساعات طويلة وبشروط أصعب.
ويحذر مسؤولون اقتصاديون من أن ذلك قد يضر خصوصاً بـ:
النساء ذوات الدخل المنخفض.
العمال غير المهرة.
الفئات الهشة في سوق العمل.
2. إضعاف الحافز لرفع الأجور
في الظروف الطبيعية يؤدي نقص العمال إلى زيادة الرواتب.
لكن إدخال أعداد كبيرة من العمال الأجانب يمنع هذا الارتفاع ويمنح أصحاب العمل بديلاً أرخص وأكثر مرونة.
أزمة سكن متوقعة
يشير التقرير إلى أن الحكومة لم تبحث بصورة جدية سؤالاً أساسياً:
أين سيعيش مئات آلاف العمال الجدد؟
ويحذر خبراء من أن:
الطلب على الشقق الرخيصة ارتفع بشدة.
إيجارات بعض المناطق ارتفعت من نحو 1800 شيكل إلى 3200 شيكل شهرياً.
قد يزداد الضغط على سوق الإيجارات وعلى الأزواج الشابة الباحثة عن سكن.
تحذيرات بنك إسرائيل
أصدر بنك إسرائيل عدة تحذيرات من التوسع غير المنظم في استقدام العمالة الأجنبية.
أولاً: التأثير الأمني
قبل الحرب كانت أجور العمال الفلسطينيين في إسرائيل تشكل نحو:
22% من دخل السلطة الفلسطينية.
ويرى البنك أن إضعاف الاقتصاد الفلسطيني قد يؤدي إلى:
زيادة التوتر الأمني.
ارتفاع معدلات الجريمة.
تدهور الاستقرار في الضفة الغربية.
ثانياً: التوترات الاجتماعية
بخلاف العمال الفلسطينيين الذين يعودون يومياً إلى أماكن سكنهم، يحتاج العمال الأجانب إلى الإقامة داخل إسرائيل.
ويحذر البنك من أن التوسع الكبير في تجمعاتهم السكنية قد يؤدي إلى:
احتكاكات اجتماعية.
أعباء إضافية على الخدمات العامة.
نشوء مناطق مكتظة يصعب دمجها.
انتقادات حقوقية ونقابية
منظمات حقوق العمال، وعلى رأسها منظمة "خط للعامل"، ترى أن التغيير جرى:
بسرعة كبيرة.
من دون نقاش عام.
نتيجة ضغوط سياسية واقتصادية من جماعات أصحاب العمل.
كما تتهم الحكومة باستبعاد:
النقابات العمالية.
منظمات حقوق الإنسان.
ممثلي العمال.
من عملية اتخاذ القرار.
مشاكل خطيرة في الاستقدام
التوسع السريع أدى إلى مشكلات ميدانية عديدة:
ضعف فحص العمال
شركات تشغيل تؤكد أن بعض العمال يصلون إلى إسرائيل دون أي خبرة حقيقية في أعمال البناء.
مخاطر السلامة
أصبحت مواقع البناء تضم عمالاً من:
الصين.
الهند.
سريلانكا.
تايلاند.
وأحياناً لا توجد بينهم لغة مشتركة، ما يزيد مخاطر الحوادث المهنية.
رسوم وساطة ضخمة
عاد انتشار ظاهرة رسوم السمسرة التي كانت قد تراجعت سابقاً.
ويُطلب من بعض العمال دفع:
من 5 آلاف دولار
إلى 15 ألف دولار
مقابل الحصول على فرصة العمل.
ويؤدي ذلك إلى:
اقتراض العمال مبالغ كبيرة.
وقوعهم في ديون ثقيلة.
استعدادهم لتحمل ظروف عمل سيئة لتسديد الديون.
انتهاكات وظروف عمل صعبة
وفق منظمات حقوقية، يتعرض بعض العمال الأجانب إلى:
تضليل بشأن طبيعة الوظيفة.
تضليل بشأن الرواتب.
ساعات عمل طويلة جداً.
العمل أثناء الإصابة.
العمل خلال فترات سقوط الصواريخ أو التوتر الأمني.
وسُجلت حالات عمل تصل إلى 13 ساعة يومياً.
العمال غير القانونيين وطلبات اللجوء
من أصل نحو 240 ألف عامل أجنبي:
حوالي 45 ألفاً دخلوا بصورة قانونية ثم تحولوا إلى مقيمين غير قانونيين.
ويعود ذلك إلى:
ترك صاحب العمل الأصلي.
البقاء بعد انتهاء التأشيرة.
كما ارتفع عدد طلبات اللجوء بشكل ملحوظ:
3900 طلب في 2022.
أكثر من 9000 طلب في 2025.
أكبر الجنسيات المتقدمة بطلبات اللجوء:
سريلانكا (3600 طلب).
الهند (1500 طلب).
تايلاند (1000 طلب).
الخلاصة
يعرض التقرير صورة لسياسة إسرائيلية جديدة تقوم على استبدال الاعتماد على العمال الفلسطينيين باعتماد واسع على العمالة الأجنبية. وبينما تبرر الحكومة ذلك بالحاجة إلى استقرار سوق العمل بعد الحرب، تحذر وزارة المالية وبنك إسرائيل والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان من أن التوسع تم دون تخطيط طويل الأمد، وقد يؤدي إلى:
الضغط على أجور الفئات الضعيفة.
زيادة أسعار السكن.
تراجع الإنتاجية والاستثمار في التكنولوجيا.
نشوء اعتماد اقتصادي كبير على العمالة الأجنبية.
أعباء إضافية على الخدمات العامة.
مخاطر اجتماعية وأمنية على المدى البعيد.
وبحسب منتقدي السياسة الحالية، فإن إسرائيل انتقلت من مشكلة الاعتماد على العمال الفلسطينيين إلى احتمال الوقوع في اعتماد أوسع وأكثر تعقيداً على العمالة الأجنبية.



