40 ألف مهجّر من مخيمات الضفة.. مخطط أمني أم نكبة متجددة؟
المؤشر 18-05-2026
الكاتب: د. سعيد ابو رحمة
يشير إعلان الأمم المتحدة عن تهجير أكثر من 40 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات شمال الضفة الغربية منذ بداية عام 2025 إلى تحوّل نوعي في طبيعة المواجهة الدائرة في الضفة، لأن ما يجري لم يعد مجرد عمليات عسكرية متقطعة تستهدف مجموعات مسلحة، بل بات أقرب إلى عملية إعادة هندسة شاملة للفضاء الفلسطيني في شمال الضفة الغربية، ديموغرافياً وأمنياً وسياسياً. فحجم النزوح، واتساع نطاق التدمير، وطول مدة الإخلاء، كلها مؤشرات على أن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع المخيمات باعتبارها عقدة استراتيجية ينبغي تفكيكها، وليس فقط احتواءها أمنياً.
تكمن أهمية مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة في أنها ليست تجمعات سكانية عادية، بل تمثل رمزاً مكثفاً للرواية الوطنية الفلسطينية وحق العودة والذاكرة الجماعية. لذلك فإن استهدافها يحمل بعداً سياسياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة. إسرائيل تدرك أن المخيمات، تاريخياً، شكّلت بيئة حاضنة لفكرة المقاومة والتنظيم الشعبي، ولهذا فإن ضرب البنية العمرانية والاجتماعية للمخيم يهدف أيضاً إلى إضعاف البنية الرمزية والسياسية التي تمثلها هذه المخيمات داخل الوعي الفلسطيني.
اللافت في المشهد الحالي أن إسرائيل تبدو وكأنها تنقل بعض أنماط الحرب التي استخدمتها في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، خصوصاً من حيث الاعتماد على التدمير الواسع للبنية التحتية، وفرض النزوح القسري، ومنع السكان من العودة لفترات طويلة. وهذا يعكس توجهاً إسرائيلياً لإنتاج مناطق عازلة أمنياً داخل شمال الضفة، بما يسمح للجيش بحرية حركة أكبر، ويعيد تشكيل الخارطة الميدانية بما يخدم مشروع السيطرة طويلة الأمد.
كما أن توقيت التصعيد يحمل دلالات مهمة. فإسرائيل تستغل الانشغال الدولي بالحرب في غزة، والتوتر الإقليمي المرتبط بإيران والبحر الأحمر، لتوسيع وقائع جديدة في الضفة الغربية بعيداً عن ضغط دولي فعّال. لذلك يمكن فهم ما يجري باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تقوم على استثمار اللحظة الإقليمية لإعادة ترتيب الواقع الفلسطيني على الأرض، سواء عبر توسيع الاستيطان أو تفريغ مناطق معينة من سكانها أو إضعاف المخيمات باعتبارها مراكز ثقل وطني.
قانونياً يضع هذا التطور إسرائيل أمام اتهامات أكثر وضوحاً تتعلق بالتهجير القسري، وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن الإدانات الدولية لم تتحول حتى الآن إلى أدوات ضغط حقيقية، ما يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في سياساتها الميدانية. وهذا يفسر تصاعد الخطاب الإسرائيلي الذي يتحدث عن تغيير الواقع الأمني في شمال الضفة، وكأن المسألة مشروع طويل الأمد وليس عملية عسكرية عابرة.
الأخطر أن استمرار النزوح بهذا الحجم قد يقود إلى تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل المجتمع الفلسطيني. فالمخيمات التي كانت تشكل فضاءات اجتماعية متماسكة تواجه اليوم خطر التفكك، في ظل تدمير المنازل والبنية التحتية وتعطل التعليم والخدمات الصحية وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وبالتالي فإن تداعيات ما يجري لن تكون أمنية فقط، بل ستنعكس على البنية الاجتماعية الفلسطينية برمتها.
إن تهجير أكثر من 40 ألف لاجئ من مخيمات شمال الضفة لا يمكن قراءته كحدث إنساني منفصل، بل كجزء من مشروع سياسي وأمني أوسع لإعادة تشكيل الضفة الغربية، وتقويض رمزية المخيم الفلسطيني، وفرض وقائع جديدة على الأرض قد يكون من الصعب التراجع عنها مستقبلاً. ولذلك تبدو المرحلة الحالية واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، لأنها تمس جوهر العلاقة بين الفلسطيني والأرض والذاكرة والوجود السياسي في الضفة الغربية.



