الطعام الذي نأكله يغيّر المناخ ويستنزف الاقتصاد العالمي.. كيف؟
المؤشر 10-05-2026 من شرائح اللحم والزبدة إلى الشوكولاتة والأفوكادو، تتزايد التحذيرات من أن النظام الغذائي العالمي يستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة والأراضي، ويُطلق انبعاثات تضغط على المناخ العالمي بوتيرة متسارعة. وفي وقت تتصاعد فيه تكاليف الغذاء والطاقة معاً، باتت الأنظمة الغذائية في قلب النقاش الاقتصادي والبيئي حول العالم.
اللحوم الحمراء في صدارة الأطعمة الأكثر ضرراً بالمناخ
تُعد لحوم الأبقار الأكثر تأثيراً على المناخ بين جميع المنتجات الغذائية، إذ تنتج نحو 26.5 كيلوغراماً من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام من اللحم. ويرتبط ذلك بكون الأبقار تُطلق غاز الميثان، أحد أقوى الغازات الدفيئة، إضافة إلى استهلاكها الضخم للمياه والأراضي الزراعية.
أما لحم الضأن فيأتي في المرتبة الثانية بانبعاثات تبلغ 22.9 كيلوغراماً لكل كيلوغرام من اللحوم، مع اعتماد تربيته أيضاً على الأعلاف والأسمدة والمبيدات بكثافة. وتشير التقديرات إلى أن لحوم الأبقار والأغنام مجتمعة مسؤولة عن نحو نصف الانبعاثات الناتجة عن تربية الحيوانات عالمياً.
ورغم أن لحم العجل أقل ضرراً نسبياً من الأبقار بسبب قِصر فترة التربية، فإنه لا يزال من المنتجات مرتفعة البصمة الكربونية، مع انبعاثات تبلغ 7.8 كيلوغرامات لكل كيلوغرام من اللحم. كما ينتج لحم الخنزير نحو 7.9 كيلوغرامات من الانبعاثات لكل كيلوغرام، نتيجة عمليات التربية والنقل والتصنيع والطهي.
في المقابل، يُنظر إلى الدجاج والديك الرومي كخيارات أقل ضرراً نسبياً، إذ تبلغ انبعاثاتهما نحو 5 كيلوغرامات لكل كيلوغرام من الغذاء، أي أقل بخمس مرات تقريباً من لحوم الأبقار.
الألبان والزبدة.. بصمة خفية مرتفعة
حتى الأنظمة الغذائية النباتية جزئياً لا تعني بالضرورة بصمة بيئية منخفضة. فالزبدة تُعد ثالث أكثر المنتجات الغذائية إضراراً بالمناخ، مع انبعاثات تصل إلى 12 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام. أما الجبن فيُنتج نحو 9.8 كيلوغرامات من الانبعاثات لكل كيلوغرام، ما يعكس التأثير الكبير لقطاع الألبان على البيئة.
ويرى خبراء أن الاعتماد على المنتجات المحلية بدلاً من المستوردة جواً قد يخفف جزئياً من البصمة الكربونية لهذه المنتجات.
المأكولات البحرية ليست دائماً صديقة للبيئة
رغم الصورة الشائعة عن الأسماك باعتبارها خياراً صحياً وبيئياً أفضل، فإن بعض المنتجات البحرية تحمل أثراً مناخياً مرتفعاً. فالمحاريات تنتج نحو 11.7 كيلوغرام من الانبعاثات لكل كيلوغرام من الغذاء، بينما يختلف أثر التونة بحسب طرق الصيد المستخدمة.
كما أن السلمون المستزرع يستهلك طاقة كبيرة، خصوصاً في المزارع البرية، مع انبعاثات تُقدّر بنحو 2.5 كيلوغرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام.
الخضراوات والفواكه ليست بريئة بالكامل
حتى بعض المنتجات النباتية تحمل تكلفة بيئية مرتفعة بسبب النقل واستهلاك الموارد. فالهليون، على سبيل المثال، ينتج نحو 8.9 كيلوغرامات من الانبعاثات لكل كيلوغرام لأنه يُنقل غالباً جواً من دول بعيدة مثل بيرو.
كما يواجه الأفوكادو والـموز انتقادات بسبب المسافات الطويلة التي يقطعانها للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأميركية، إلى جانب استهلاك الأفوكادو لكميات ضخمة من المياه وتسببه بإزالة الغابات في بعض المناطق.
زيت النخيل والشوكولاتة.. أزمة تمتد من الغابات إلى المتاجر
زيت النخيل يدخل في نحو نصف المنتجات الموجودة داخل المتاجر الكبرى، من الأغذية إلى المنظفات، لكنه يرتبط بإزالة واسعة للغابات وخسارة الموائل الطبيعية، مع انبعاثات تُقدّر بنحو 6.3 كيلوغرامات لكل كيلوغرام من الزيت.
أما الشوكولاتة، فرغم شعبيتها العالمية، فإن إنتاجها يرتبط بإزالة الغابات في غرب إفريقيا، إضافة إلى الاعتماد على مسحوق الحليب كثيف الانبعاثات. ويُنظر إلى الشوكولاتة الداكنة كخيار أقل ضرراً نسبياً مقارنة بالأنواع الغنية بالحليب.
الأرز والسكر.. أزمات بيئية أقل ظهوراً
زراعة الأرز، التي يعتمد عليها أكثر من نصف سكان العالم، تُسهم بنحو 1.5% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً بسبب غاز الميثان الناتج عن حقول الأرز المغمورة بالمياه.
أما السكر، فتنتج صناعته آثاراً بيئية كبيرة تشمل استنزاف المياه، وتلوث الهواء، واستخداماً مكثفاً للمواد الكيميائية الزراعية، فضلاً عن تدمير بعض الموائل الطبيعية.
حليب اللوز.. البديل الأخضر ليس دائماً أخضر بالكامل
في السنوات الأخيرة، ارتفع الطلب على حليب اللوز باعتباره بديلاً نباتياً للحليب التقليدي، لكن إنتاج اللوز نفسه يستهلك كميات ضخمة من المياه. وتشير البيانات إلى أن إنتاج حبة لوز واحدة في كاليفورنيا يحتاج إلى نحو 12 لتراً من المياه، في ولاية تعاني أساساً من الجفاف.
الهدر الغذائي.. المشكلة الأكبر ربما ليست في ما نأكله بل في ما نرميه
بعيداً عن نوعية الطعام، يبقى هدر الغذاء من أخطر التحديات البيئية. فإن نحو 30% من الغذاء عالمياً لا يصل إلى المستهلكين أساساً، بينما يُسهم الهدر الغذائي بنحو 8% من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة في العالم.
وتشير التقديرات إلى أنه لو كان هدر الطعام دولة مستقلة، لكان ثالث أكبر مصدر للانبعاثات عالمياً بعد أميركا والصين.
خلفية أوسع.. الغذاء يدخل قلب معركة المناخ والاقتصاد
خلال السنوات الأخيرة، تحوّل الحديث عن الأنظمة الغذائية المستدامة من نقاش بيئي محدود إلى قضية اقتصادية عالمية، مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد بسبب الحروب والتغيرات المناخية.
وأصبحت الحكومات والشركات الكبرى تواجه ضغوطاً متزايدة لإعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك الغذائي، ليس فقط لحماية البيئة، بل أيضاً لضبط التكاليف وتأمين الأمن الغذائي على المدى الطويل.
لم تعد المعادلة تقتصر على ماذا نأكل، بل كيف يُنتج ما نأكله، وكيف يصل إلينا، وكم نهدر منه. وبينما لا تبدو العودة الجماعية إلى أنظمة غذائية مثالية أمراً واقعياً، فإن تقليل استهلاك اللحوم الحمراء، والاعتماد على المنتجات المحلية والموسمية، والحد من الهدر الغذائي، تبقى من أكثر الخطوات تأثيراً في تقليل البصمة الكربونية للأفراد.



