صحف بريطانية: كير ستارمر رئيس الوزراء الذي لا يحكم ولا يستقيل

صحف بريطانية: كير ستارمر رئيس الوزراء الذي لا يحكم ولا يستقيل

المؤشر 25-04-2026   في السياسة، لا تسقط الحكومات عادة بضربة واحدة، بل تتآكل ببطء من الداخل، حتى تصل إلى لحظة يصبح فيها البقاء في السلطة أقرب إلى المفارقة منه إلى الإنجاز

هذا هو المشهد الذي يخيّم اليوم على الحكومة البريطانية، حيث يجد رئيسها كير ستارمر نفسه محاصرا بين رغبة واضحة في الاستمرار، وشكوك متزايدة داخل حزبه حول قدرته على الحكم.

السلطة هي أثمن ما يملكه السياسي؛ فإذا فُقدت يصبح من المستحيل تقريبا استعادتها. فعندما فقد وزراء بوريس جونسون ثقتهم في قدرته على إدارة حكومة فعّالة، باتت أيامه معدودة

أزمة القيادة في مقر رئاسة الوزراء بلندن، تناولتها 3 صحف بريطانية، هي تايمز وإندبندنت وآي بيبر، بقراءات ناقدة تعكس توجهاتها السياسية وما يدور في أروقة الحكم من تصفية حسابات.

وفي معرض تناولها لهذا الموضوع، عقدت صحيفة التايمز اللندنية مقارنة بمواقف مشابهة لرؤساء وزراء بريطانيين سابقين مثل التي يتعرض لها حاليا كير ستارمر.

واستهلت الصحيفة افتتاحيتها بالقول إن السلطة هي أثمن ما يملكه السياسي؛ فإذا فُقدت يصبح من المستحيل تقريبا استعادتها. فعندما فقد وزراء بوريس جونسون ثقتهم في قدرته على إدارة حكومة فعّالة، باتت أيامه معدودة. وينطبق الأمر نفسه على رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس، وقد تثبت صحته أيضا بالنسبة إلى السير كير ستارمر.

ووصفت الافتتاحية الوضع الحالي بأنه أقرب إلى “رئيس وزراء منتهي الصلاحية سياسيا”، فيما لم يعد السؤال حول مدى قدرته على البقاء في المنصب، بل متى سيغادره.

وتعود جذور الأزمة، كما ترويها التايمز، إلى قضية تعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيرا لبريطانيا لدى واشنطن، والتي تحولت من مجرد قرار إداري إلى “صداع استراتيجي” ينذر بتقويض أركان الحكومة بالكامل.

وبحسب الصحيفة ذات التوجهات اليمينية، فإن شهادة السير أولي روبنز، السكرتير الدائم السابق لوزارة الخارجية، أمام لجنة الشؤون الخارجية، كانت بمثابة “زلزال سياسي”.

فقد كشف روبنز عن ضغوط هائلة مارستها رئاسة الوزراء لتمرير التعيين رغم وجود “تحذيرات أمنية” حمراء تتعلق بأنشطة ماندلسون التجارية السابقة وعلاقاته الدولية المثيرة للجدل.

هذه الشهادة انعكست مباشرة على تماسك الحكومة. فبدل أن يصطف الوزراء دفاعا عن رئيسهم، ظهرت مواقف متحفظة، بل وانتقادات ضمنية وصريحة، كما أفادت افتتاحية التايمز.

وأوضحت الصحيفة أن بعض الوزراء اكتفى بتكرار أن قرار تعيين ماندلسون “يعود لرئيس الوزراء”، فيما عبّر آخرون عن قلقهم من تداعياته، وهو ما يعكس تراجعا واضحا في الانضباط الجماعي داخل الحكومة.

وإزاء هذا الموقف من وزرائه، ثمة إحساس طاغٍ بأن ستارمر بات أشبه ما يكون برئيس وزراء “ميت سياسيا يسير على قدميه”؛ ومن ثم، لم يعد السؤال المطروح -برأي التايمز- هو هل سيُجبر على الرحيل، بل متى سيُسدل الستار على حقبته.

أما صحيفة إندبندنت المحسوبة على تيار يسار الوسط، فقد نشرت مقالا تحليليا لكبير معلقيها السياسيين جون رينتول تميز بقراءة مختلفة نسبيا لأداء ستارمر.

فقد تناول الكاتب ما دار في جلسة البرلمان البريطاني الأسبوعية، قائلا إن ستارمر بدا خلالها “منفصلا عن الواقع” في تفاؤله المفرط، وهو سلوك وصفه بأنه يقترب من “الوهم”.

وأضاف رينتول أن ستارمر ظهر خلال الجلسة أكثر ثقة وسيطرة، مستفيدا من خلفيته القانونية في الدفاع عن حكومته، حيث ركّز على الجوانب الإجرائية، محاولا إثبات أن الخطوات المتبعة كانت صحيحة من الناحية الشكلية.

لكنه لاحظ أن وجوه وزرائه كانت “جامدة” وخالية من أي تعبير خلفه، في إشارة واضحة إلى انهيار روح التضامن الوزاري.

ورغم تماسكه الظاهري، فإن رئيس الوزراء لم ينجح -حسب إندبندنت- في تغيير المزاج العام داخل حزب العمال الحاكم أو لدى الرأي العام، بل اعتبره بعض المراقبين دليلا على انفصال القيادة عن الواقع السياسي، إذ إن التركيز على التفاصيل الإجرائية لا يعالج جوهر الأزمة، المتمثل في سوء التقدير السياسي.

وأشارت الصحيفة إلى أن ستارمر يبدو متمسكا بالمنصب ليس فقط بدافع الواجب، بل أيضا برغبة شخصية عميقة في الاستمرار، وهو ما يفسر رفضه لفكرة الاستقالة رغم الضغوط المتزايدة.

بيد أن هذا الإصرار قد يتحول إلى عامل إضافي لتفاقم الأزمة، إذا ما فُسر داخل الحزب على أنه تجاهل لمخاوفه، طبقا للتحليل.

في الوقت ذاته، تتزايد مؤشرات التصدع داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال، حيث عبّر عدد من النواب عن استيائهم بشكل علني، وذهب بعضهم إلى القول إن رحيل ستارمر أصبح مسألة وقت. كما ظهرت انتقادات حتى من شخصيات كانت تُعد موالية، مما يعكس عمق الأزمة، وفق الصحيفة.

ولا تقتصر التحديات على الجانب السياسي الداخلي، إذ يواجه ستارمر أيضا ضغوطا اقتصادية متزايدة، في ظل تداعيات التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف المعيشة. وهو ما تناولته صحيفة آي بيبر في مقال للكاتبة كيتي دونالدسون.

فقد ذكرت دونالدسون -وهي كبيرة المحللين السياسيين بالصحيفة- أن الرهان على السياسة الخارجية لتحسين صورته الداخلية لم يحقق النتائج المرجوة، بل قد يزيد من الأعباء الاقتصادية على حكومته.

وكشفت عن وجود تحركات داخل أروقة حزب العمال لعقد “ميثاق” أو اتفاق بين وزير الصحة ويس ستريتينغ ونائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، لضمان انتقال سلس للسلطة يحول دون دخول الحزب في صراعات “مريرة”.

وأشارت الكاتبة إلى أن الفكرة المطروحة تتمثل في تشكيل قيادة ثلاثية للمرحلة الانتقالية تكون برئاسة وزيرة الخارجية إيفيت كوبر باعتبارها شخصية “متزنة”.

ومع ذلك، ترى الصحيفة أن هذه الخطط محفوفة بالمخاطر؛ فأنجيلا راينر لا تزال تنتظر قرار مصلحة الضرائب بشأن وضعها المالي، وويس ستريتينغ يواجه انتقادات بسبب صلاته السابقة بماندلسون. هذا الفراغ في القيادة هو ما يبقي ستارمر في منصبه حاليا؛ فهو باقٍ ليس لقوته، بل لضعف وتشتت بدائله.

ويعتقد العديد من النواب العاديين (نواب المقاعد الخلفية في البرلمان) في حزب العمال أن ستارمر لن يقود الحزب في الانتخابات المقبلة، وأن رحيله أصبح حتميا بعد نتائج الانتخابات المحلية في مايو/أيار.

استمرار التحقيقات البرلمانية واستدعاء المسؤولين للإدلاء بشهاداتهم حول قضية ماندلسون يضمن بقاء الأزمة في صدارة المشهد، ما يحد من قدرة الحكومة على التحرك في ملفات أخرى

وطبقا لصحيفة آي بيبر ، تشير استطلاعات الرأي إلى أن النتائج المتوقعة لتلك الانتخابات قد تكون كارثية للحزب، حيث “ينهش” حزب الإصلاح في قاعدته اليمينية وحزب الخضر في قاعدته اليسارية.

كما أن استمرار التحقيقات البرلمانية واستدعاء المسؤولين للإدلاء بشهاداتهم حول قضية ماندلسون يضمن بقاء الأزمة في صدارة المشهد، ما يحد من قدرة الحكومة على التحرك في ملفات أخرى.

وقد أدى ذلك إلى انطباع عام بأن الحكومة باتت منشغلة بالدفاع عن نفسها أكثر من اهتمامها بإدارة شؤون البلاد.

ورغم كل ذلك، يتمسك ستارمر بخطاب يؤكد فيه أن حكومته ماضية في تنفيذ برنامجها، وأن “لا شيء سيصرف انتباهها” عن تحقيق أهدافها.

على أن منتقديه يرون أن هذا الخطاب يتناقض مع واقع سياسي يشير إلى عكس ذلك، حيث تهيمن الأزمة على كل جوانب العمل الحكومي، وفقا لصحيفة آي بيبر.

في المحصلة، يبدو أن رئاسة ستارمر للحكومة دخلت مرحلة دقيقة، تتسم بتوازن هش بين البقاء والرحيل. فهو لا يزال في موقعه، مدعوما بغياب بديل واضح، لكنه يواجه في الوقت نفسه تآكلا مستمرا في سلطته.