من هرمز إلى رام الله: كيف تضاعف "أثر الفراشة" أزمات الاقتصاد الفلسطيني؟

من هرمز إلى رام الله: كيف تضاعف "أثر الفراشة" أزمات الاقتصاد الفلسطيني؟

المؤشر 07-04-2026 

بقلم: إياد مصطفى (باحث اقتصادي)

في ظل التصعيد الجيوسياسي المتسارع في الشرق الأوسط، تبرز تداعيات إغلاق مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة العالمية كعامل مفصلي يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، تتجلى ظاهرتا "أثر الكوبرا" و"أثر الفراشة" بشكل واضح، ليس فقط على الاقتصادات الكبرى، بل بشكل أكثر حدة على الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها الاقتصاد الفلسطيني.

صدمة خارجية… وأثر مضاعف داخلي

يعتمد الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير على الاستيراد، خاصة في مجال الطاقة، ما يجعله عرضة مباشرة لتقلبات أسعار النفط العالمية. ومع الارتفاع "الجنوني" في الأسعار، ارتفعت تكاليف النقل والإنتاج، الأمر الذي انعكس سريعاً على أسعار السلع الأساسية، دافعاً بمعدلات التضخم إلى مستويات مقلقة.

هنا يظهر "أثر الفراشة" بوضوح قرار جيوسياسي في منطقة بعيدة نسبياً يؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتراكمة التي تضرب عمق الحياة الاقتصادية اليومية للمواطن الفلسطيني.

"أثر الكوبرا"… حين تتحول الحلول إلى أزمات

أما "أثر الكوبرا"، فيتجلى في السياسات والإجراءات التي قد تبدو حلولاً قصيرة الأجل لكنها تُفاقم الأزمة على المدى الطويل. فاحتجاز أموال المقاصة — وهي المورد المالي الرئيسي للسلطة الفلسطينية — أدى إلى أزمة سيولة خانقة، دفعت الحكومة إلى التوسع في الاقتراض من البنوك المحلية لتغطية النفقات الجارية، خصوصاً الرواتب.

هذا التوسع في الاقتراض رفع الدين العام إلى أكثر من 85% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى خطير يحدّ من القدرة على المناورة المالية، ويزيد من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات.

سوق العمل… ضربة مزدوجة

لم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل امتدت إلى سوق العمل، حيث أدى توقف تشغيل العمال الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي إلى فقدان عشرات الآلاف لمصادر دخلهم. وفي المقابل، تم استبدالهم بعمالة أجنبية من دول مثل الهند والصين ودول شرق آسيا، ما عمّق أزمة البطالة وقلّص التدفقات النقدية إلى الاقتصاد الفلسطيني.

هذه التطورات أدت إلى تراجع القوة الشرائية، وانكماش الطلب المحلي، ما زاد من الضغوط على القطاع الخاص، ودفع العديد من المنشآت إلى تقليص أعمالها أو الإغلاق.

حلقة مفرغة من الأزمات

يمكن تلخيص المشهد الاقتصادي الفلسطيني اليوم بأنه عالق في حلقة مفرغة:

      ارتفاع أسعار النفط → زيادة التضخم

      احتجاز أموال المقاصة → أزمة سيولة

      زيادة الاقتراض → ارتفاع الدين العام

      تراجع التشغيل → ارتفاع البطالة

      انخفاض الطلب → تباطؤ النمو

وكل عنصر من هذه العناصر يغذي الآخر، في نموذج واضح لتداخل "أثر الفراشة" مع "أثر الكوبرا".

إلى أين؟

في ظل هذه التحديات المركبة، يصبح من الضروري تبني سياسات اقتصادية أكثر مرونة واستباقية، تركز على:

      تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

      تعزيز الإيرادات المحلية وتقليل الاعتماد على أموال المقاصة.

      دعم القطاعات الإنتاجية المحلية لخلق فرص عمل.

      إعادة هيكلة الدين العام بشكل مستدام.

إن ما يحدث اليوم يثبت أن الاقتصاد الفلسطيني ليس بمعزل عن التغيرات العالمية، بل هو من أكثر الاقتصادات تأثراً بها. وبينما قد تبدأ الأزمة بقرار إغلاق ممر مائي عالمي مثل مضيق هرمز، فإن تداعياتها تنتهي عند تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، في مثال حي على كيف يمكن لرفرفة "فراشة" في مكان ما أن تُحدث "عاصفة" اقتصادية في مكان آخر.