الإبادة المستمرة النساء الفلسطينيات في عين الاستهداف ورقة تحليلية صادرة عن جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية آذار 2026

الإبادة المستمرة النساء الفلسطينيات في عين الاستهداف ورقة تحليلية صادرة عن جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية آذار 2026

المؤشر 31-03-2026  

الملخص التنفيذي: 

منذ السابع من تشرين أول 2023، تعيش النساء الفلسطينيات واقعًا قاسيًا وغير مسبوق، خاصة في قطاع غزة، حيث تتداخل الحرب مع تفاصيل الحياة اليومية بكل قسوتها. هذه الورقة تحاول أن تنقل صورة أقرب لما تعيشه النساء فعليًا، بالاعتماد على تقارير وطنية وأممية وبيانات ميدانية، مع التركيز على كيفية  تأثر حياتهن من منظور حقوقي جندري.

النتائج تشير إلى أن النساء والفتيات لسن فقط ضمن الضحايا، بل في قلب ما يحدث. فهنّ يواجهن القتل، والنزوح، ونقص الغذاء والرعاية الصحية، إلى جانب فقدان الأمان والاستقرار. وفي الضفة الغربية أيضًا، تصاعدت الاعتقالات والانتهاكات، بما يعكس اتساع دائرة التأثير. كل ذلك يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية والاجتماعية، وعلى قدرة النساء على الاستمرار في تأمين احتياجات أسرهن وعلى مكانتهن في الأسرة وفي المجتمع.

 

ورغم هذه الظروف، تستمر النساء في لعب دور أساسي داخل أسرهن ومجتمعاتهن، سواء في أعمال الرعاية  والحماية، أو إدارة الموارد المحدودة، أو محاولة الحفاظ على نوع من الاستقرار وسط الفوضى.

تؤكد الورقة أن ما يحدث يتطلب تحركًا جديًا من المجتمع الدولي، ليس فقط لتقديم المساعدة، بل لضمان الحماية والمساءلة. كما تشدد الورقة على ضرورة أن يعبر التدخل الدولي عن إرادة سياسية لإنفاذ قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وبشكل خاص ما جاء في الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، والذي أكّد عدم قانونية الاحتلال، وقرار الجمعية العامة المرتبط به. كما تشدد الجمعية على ضرورة أخذ احتياجات النساء بعين الاعتبار في كل استجابة إنسانية أو تنموية أو حقوقية، وفق منظومة الحقوق العالمية وما توفره من أدوات حماية للنساء تحت الاحتلال والحرب.

مقدمة:

شكل يوم السابع من تشرين أول من العام 2023، محطة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله الطويل من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير، إذ أعلن الاحتلال، وبدعم كامل من قوى الاستعمار الغربية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية، حرب إبادة طالت الفلسطينيين والفلسطينيات في قطاع غزة، وصعد من جرائم التطهير العرقي فيالضفة الغربية. وقد استعمل الاحتلال في حربه تلك كافة الأسلحة ومن ضمنها تلك المحرمة دوليا، ليدمر قطاع غزة ويحوله إلى أرض محروقة. واعتمد الاحتلال ومنذ اليوم الأول، على استهداف المدنيين والمدنيات العزّل بالطائرات  الحربية والقصف المدفعي، مما أدى الى ارتقاء عشرات آلاف الشهداء والشهيدات، في جرائم مروعة، شملت أيضا التجويع والاغتصاب والقتل المباشر، وتدمير المستشفيات  والمدارس والأعيان المدنية والجوامع والكنائس وفي التهجير القسري، إضافةالى تعميق انتهاك الحق في حرية الحركة في الضفة الغربية حيث تم إقامة ما يزيد عن الألف حاجز عسكري وبوابات حديدية، عززت الإغلاق والتجزئة للأرض وللناس حيث حولت المدن والقرى الى كنتوناتمنعزلة، كما تم قصف وتدمير مخيمات اللاجئين في شمال الضفة وتهجير سكانها قسريا. ارتكبت هذه الجرائم على مرأى ومسمع العالم، وبعضها تم بثه على الهواء مباشرة. وجاءت أيضا، في ظل دعم لا منتهٍ من قبل القوى الاستعمارية التي أمدت الاحتلال بالدعم العسكري والمادي دون توقف أو اعتبار للقيم الإنسانية والمنظومة القانونية الدولية التي تجرّم استهداف المدنيين والمدنيات. ولم يقف الأمر عند حد الدعم المادي والعسكري، بل امتد ليوفر للاحتلال الغطاء السياسي والإعلامي في الأمم المتحدة، وشل الهيئة الدولية ومنعها من القيام بواجبها في حماية الشعب الفلسطيني، إذ استخدمت الإدارة الأمريكية حق النقض (الفيتو) ست مرات لإسقاط قرارات صوّت عليها مجلس الأمن لوقف العدوان وإلزام دولة الاحتلال باحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وكان من بين القرارات التي استهدفها الفيتو الأمريكي، قرارا يتعلق بتطبيق التدابير التي أقرتها محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الذي قدمته في أعقاب النظر في قضية الإبادة التي تقدمت بها جمهورية جنوب إفريقيا وانضمت لها العديد من الدول.

المنهجية:

تعتمد الورقة على منهجية مراجعة التقارير والدراسات الصادرة عن الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية الحقوقية والتنموية وعلى تقارير لبعض المقررين الخواص التابعين للأمم المتحدة،  إضافة إلى مراجعة التقارير الخاصة بعمل الجمعية في الميدان، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وملاحظات فريق العمل. كما تم مراجعة عدد من التقارير والدراسات الصادرة عن مؤسسات حقوقية ومؤسسات نسوية فلسطينية.

أهداف الورقة:

من خلال هذه الورقة، تسعى جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية لتحليل أوضاع النساء الفلسطينيات في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، حيث سيتم دراسة الواقع الإنساني والاجتماعي والاقتصادي للنساء الفلسطينيات في قطاع غزة والضفة الغربية منذ بداية حرب الإبادة التي لا تزال مستمرة في منذ السابع من تشرين أول 2023، مع التركيز على استهداف النساء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال القتل، التجويع، التهجير القسري، وتدمير مقومات الحياة. كما تسعى الجمعية كذلك الى تسليط الضوء على الأبعاد الجندرية للعدوان وتوضيح تأثير العدوان على النساء والفتيات الفلسطينيّات، من منظور النوع الاجتماعي، بما يشمل الأعباء الإضافية الناتجة عن فقدان المعيل، النزوح، تدهور الأمن الغذائي، انهيار النظام الصحي، وانعدام الخدمات الأساسية، فضلاً عن العنف القائم على النوع الاجتماعي. إضافة الى ذلك، تسعى الجمعية للربط بين انتهاكات وجرائم الاحتلال والقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات والمواثيق الدولية من قبيل اتفاقيات جنيف، اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة  (CEDAW)، نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقرار مجلس الأمن رقم 1325، وتحليل كيف تشكل هذه الانتهاكات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة جماعية. من جهة أخرى، تسعى الورقة لإبراز دور النساء الفلسطينيات في الحفاظ على النسيج الاجتماعي، إدارة الموارد المحدودة، حماية الأسر، والمساهمة في جهود الصمود الوطني في ظل ظروف العنف والقمع والحصار. وأخيراً، تهدف الورقة إلى تقديم توصيات عملية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية لضمان حماية النساء الفلسطينيات، ومساءلة الاحتلال على جرائم الحرب والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان، بما يشمل تفعيل البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إنشاء محاكم دولية، وضمان تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وخاصة تلك المتعلقة بأجندة المرأة والسلام والأمن وفق محاور القرار الأممي 1325 والقرارات المرتبطة به.

النساء الفلسطينيات في عين الاستهداف:

شكّل استهداف النساء الفلسطينيات جزءاً من أنماط العنف الممارس ضد الشعب الفلسطيني منذ بدايات الاحتلال. فمنذ نكبة العام 1948، وما رافقها من عمليات تهجير قسري ومجازر واسعة، تعرضت النساء الفلسطينيات لأشكال متعددة من الانتهاكات التي شملت القتل، والتهجير، وفقدان أفراد الأسرة، وفقدان مصادر العيش، إضافة إلى الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها ظروف النزوح والاقتلاع من الأرض. ومع استمرار الاحتلال، تكرّست أنماط أخرى من الانتهاكات التي تمس النساء بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك الاعتقال، وما رافق ذلك من اعتداءات جنسية واغتصاب والعنف أثناء الاقتحامات العسكرية، والقيود المفروضة على الحركة، والتحرشات التي واجهتها النساء على هذه الحواجز، إلى جانب التأثيرات المتفاقمة للحصار والعمليات العسكرية على حياتهن اليومية وأدوارهن الاجتماعية والاقتصادية. وفي السياق المعاصر، تتضاعف آثار الاحتلال العسكري الإسرائيلي والسياسات المرتبطة به، على النساء، حيث يتحملن أعباء متزايدة في ظل تدمير البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية، وتفاقم معدلات الفقر والنزوح. كما تتعرض النساء لمخاطر مضاعفة في أوقات النزاع، سواء باعتبارهن مدنيات يفترض أن يتمتعن بالحماية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، أو باعتبارهن ركناً أساسياً في استمرارية النسيج الاجتماعي للأسر والمجتمعات المحلية. ومن هنا، فإن تحليل أوضاع النساء الفلسطينيات لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للانتهاكات المستمرة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.

فخلال حرب الإبادة، التي لا تزال مستمرة في قطاع غزة، شكلت النساء أهدافا مباشرة للقصف من قبل آلة الحرب الصهيونية، حيث تشير الإحصاءات والتقارير الصادر عن جهات دولية وأممية، أن نسبة النساء والأطفال من ضحايا العدوان قد زادت عن الثلثين. وهذا يدل على أن استهداف النساء الفلسطينيات لم يكن حدثاً عابراً في ممارسات الاحتلال، بل جاء كسياسة ممنهجة ومرسومة بعناية. إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة الى أن آلاف النساء أصبحن أرامل خلال العدوان، حيث أفادت بعض التقارير أن أكثر من واحد وعشرين ألف امرأة فقدن أزواجهن خلال الحرب، كما أشارت تقارير لاحقة إلى أن أكثر من 50 ألف امرأة أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهنً نتيجة لفقدان الزوج أو المعيل. فخلال الأشهر الستة الأولى من العدوان، قتل ما يقرب من ستة آلاف أم فلسطينية، مما خلف ما يقرب من 19 ألف طفل وطفلة من الأيتام. أما النساء الحوامل، وحسب تقارير الأمم المتحدة، فقد بلغ عددهن في قطاع غزة ما يقرب من خمسين ألف سيدة، في حين عانت 55 ألف امرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية كنتيجة للحصار الذي فرضه الاحتلال على قطاع غزة ومنعه إدخال المساعدات الإنسانية في ظل تدمير كافة مقومات الإنتاج المحلي. وكنتيجة لانهيار النظام الصحي في قطاع غزة الذي تعرض للاستهداف المباشر من قبل آلة الحرب الاحتلالية، فإن ثلث حالات الحمل في قطاع غزة، تصنف كحمل خطر، بمعنى أن الأمهات والأجنة عرضة للموت في أي لحظة. وبالتالي، فإن الاحتلال سعى عبر ذلك الى تطبيق سياسة الإبادة الإنجابية في أوساط النساء الفلسطينيات. وقد مضت هيئة الأمم المتحدة للقول في هذا السياق أنه وحتى شهر أيار 2025، بلغ عدد النساء والفتيات الشهيدات في قطاع غزة  28 ألفاً (حتى تاريخ الأول من أيار 2025)، بمعنى أن هناك شهيدة في كل ساعة.

النساء والتجويع: اعتمد الاحتلال على التجويع كأحد أسلحة حرب الإبادة ضد الفلسطينيين والفلسطينيات في قطاع غزة، مما خلق حالة من المجاعة الحقيقية. وحسب منظمة الصحة العالمية، تم تسجيل 361  حالة وفاة مرتبطة بالجوع وسوء التغذية في قطاع غزة حتى أيلول 2025، بينها 130 طفلاً. كما أفادت تقارير إعلامية دولية بأن أكثر من 113 شخصاً توفوا بسبب الجوع وسوء التغذية منذ بداية الحرب. وفي الوقت ذاته تشير بعض الدراسات البحثية إلى أن الوفيات غير المباشرة المرتبطة بالتجويع قد تكون أعلى بكثير، وقد تصل إلى عشرات الآلاف نتيجة انهيار النظام الغذائي والصحي في القطاع. كما أن بعض التقارير الأخرى أفادت أن أكثر من ربع مليون امرأة وفتاة في قطاع غزة يعانين الجوع وسوء التغذية. وفي الوقت عينه، فإن غالبية الفلسطينيين والفلسطينيات في قطاع غزة يواجهون ويواجهن انعداما حاداً في الأمن الغذائي. ومن خلال استعراض تطور وتدحرج حرب الإبادة، يتضح جليا أن الاحتلال قد خطط منذ البداية للوصول إلى هذه الحالة. فمنذ الأيام الأولى للعدوان، استهدف الاحتلال المناطق الزراعية في القطاع مما حرم الفلسطينيين والفلسطينيات من مقومات الإنتاج المحلي. فقد استهدفت الأراضي الزراعية بالقصف المباشر من سلاحي الجو والمدفعية التابعين لدولة الاحتلال، كما قامت دبابات الاحتلال التي اجتاحت قطاع غزة بتدمير ممنهج للأراضي الزراعية. وتدمير واسع للاقتصاد المحلي والبنية الإنتاجية، بما في ذلك القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية. وتشير تقديرات صادرة عن  البنك الدولي  وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب تسببت في انكماش اقتصادي غير مسبوق وتدمير نسبة كبيرة من البنية التحتية الاقتصادية في القطاع، بما في ذلك المنشآت الإنتاجية والأسواق المحلية وسلاسل الإمداد. كما تعرض القطاع الزراعي لأضرار جسيمة نتيجة القصف والتجريف ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج الغذائي المحلي.

وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة أصبحت غير صالحة للإنتاج أو غير قابلة للوصول نتيجة العمليات العسكرية، وهو ما أدى إلى انهيار مصادر الدخل لآلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة والصيد كمصدر رئيس للعيش.

ولا تقتصر آثار هذه الخسائر الاقتصادية على البنية الإنتاجية فحسب، بل تمتد لتؤثر بشكل مضاعف على النساء الفلسطينيات. ففي ظل فقدان مصادر الدخل وتدمير سبل العيش، تتحمل النساء أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة داخل الأسرة والمجتمع، خاصة في الحالات التي فقدت فيها الأسر معيلها أو مصدر دخلها الرئيس. كما تضطر العديد من النساء إلى البحث عن وسائل بديلة لتأمين احتياجات أسرهن الأساسية في ظل ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

علاوة على ذلك، فإن تدمير القطاع الزراعي وتراجع الإنتاج الغذائي ينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي للأسر، وهو ما يزيد من الأعباء الواقعة على النساء باعتبارهن المسؤولات غالباً عن إدارة الموارد الغذائية داخل الأسرة. وفي ظل محدودية الموارد وارتفاع أسعار الغذاء، تضطر العديد من النساء إلى تقليص استهلاكهن الغذائي لصالح الأطفال أو أفراد الأسرة الآخرين، الأمر الذي يفاقم من المخاطر الصحية والغذائية.

وعليه، فإن الخسائر الاقتصادية والزراعية الناجمة عن الحرب لا تمثل مجرد خسائر مادية، بل تؤدي إلى تفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية للنساء، وتعزز من عدم المساواة القائمة، الأمر الذي يتطلب استجابة إنسانية وتنموية تراعي البعد الجندري في جهود الإغاثة وإعادة الإعمار. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن قطاع غزة ومنذ العام 2007 (وحتى قبل ذلك)، يعيش في  ظل حصار خانق من الاحتلال براً وبحراً وجواً، قد خلق حالة من الهشاشة الاقتصادية العامة التي ميزت الحياة اليومية. فقد أدى الحصار ومنع إدخال المواد الخام إلى تدمير البنية التصنيعية في القطاع، وباتت سلاسل الإنتاج غير منتظمة. وضمن جهود النساء للخروج من الأزمة، بادرت العشرات منهن، في فترة ما قبل العدوان، إلى إطلاق مشاريع نسوية صغيرة للمساهمة في إعالة أسرهن. وبالرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة حول عدد هذه المشاريع وما تم استهدافه منها خلال العدوان، إلا أن غالبية، إن لم يكن جل، هذه المشاريع قد تعرض للتدمير. ففي العادة، فإن هذه المشاريع كانت تنفذ داخل المنازل، ومع تدمير المنازل بالقصف من قبل جيش الاحتلال، فمن الطبيعي أن هذه المشاريع قد تعرضت للتدمير. بالتالي، زادت هشاشة النساء وانعكست سلبا على الحياة العامة للمجتمع.

النساء والنزوح: خلال حرب الإبادة المستعرة في قطاع غزة، تم تهجير ما يقرب من 90% من المواطنين والمواطنات وطبعا من بينهم مئات الآلاف من النساء والفتيات حيث سجل في مرحلة ما من العدوان، نزوح ما يقرب من نصف مليون امرأة وفتاة، بينما أشارت تقارير أخرى الى أن من بين النازحات، كان هناك ما يقرب من 43 ألف امرأة حامل. وقد تعاظمت معاناة النساء أثناء النزوح، في ظل استمرار القصف الهمجي والحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية ومقومات الحياة، وفي ظل كون النزوح شكل محطة من أكثر محطات حرب الإبادة قسوة، فقد تجلت معاناة النساء أثناء النزوح والتهجير القسري فيما يلي:

- فقدان المأوى والأمن الشخصي: شكل فقدان المأوى والأمن الشخصي واحداً من أكثر ملامح معاناة النساء الغزيات أثناء حرب الإبادة، حيث فقدت النساء منازلهن وتم الزج بهنّ في مدارس ومراكز إيواء مؤقتة لا تصلح للحياة الآدمية.

- تعرض النساء للعنف والانتهاكات في أماكن النزوح: تعرضت النساء لمخاطر أمنية وتهديدات عديدة على حياتهن في أماكن النزوح. فقد استمر الاحتلال في قصف مراكز الإيواء والنزوح، سواءً في المدارس والمباني العامة، وحتى في الخيام. ويضاف إلى ذلك معاناة النساء من الازدحام وانعدام الخصوصية في أماكن النزوح، إلى جانب تعرضهن للعنف المبني على النوع الاجتماعي والتحرش والاعتداءات الجنسية.

- أعباء إضافية: في ظل النزوح القسري، زادت الأعباء التي فرضت على النساء، وعلى رأسها زيادة أعباء الرعاية. فإضافة الى الأعباء التقليدية الملقاة على عاتق النساء، أضيف إلى ذلك أعباء جديدة تمثلت في العناية  بالجرحى والجريحات في ظل ازدياد هذه الأعداد  نتيجة لاستمرار حرب الإبادة ومواصلة استهداف المدنيين والمدنيات.

- معاناة النساء في توفير الغذاء ومياه الشرب: في ظل استمرار العدوان ومع مواصلة فرض الحصار ومنع إدخال المواد الغذائية، عانت النساء بشكل كبير لتوفير الغذاء والماء لأسرهنً. فقد اضطرت النساء للاصطفاف في طوابير طويلة من أجل توفير بعض المواد الغذائية لأطفالهن وأسرهن مما هو متاح من مساعدات سمح الاحتلال بدخولها. كما أن العديد من النساء اضطررن لبيع مقتنياهن، وخاصة المصاغ الذهبي وبأثمان أقل من الطبيعي، من أجل توفير الغذاء ومياه الشرب لأطفالهن. فكانت النساء آخر وأقل من يأكل في العائلة، حيث كانت أولوياتهن إسكات جوع أطفالهن. كما أن النساء عانين كثيرا من انتشار الأمراض الجلدية والأمراض المعدية في أماكن النزوح واللجوء. ومع انعدام مواد النظافة الشخصية، اضطرت العديد من النساء إلى الاعتماد على وسائل بدائية كاستخدام قطع القماش البالية كبديل للفوط الصحية. كما أن عددا من النساء اضطررن لقص شعرهن وشعر بناتهن لتجنب انتشار القمل، والذي بات ظاهرة منتشرة في أوساط النازحين والنازحات. وقد تعمقت المعاناة هذه في أوساط الفتيات والمراهقات، خاصة من يختبرن الدورة الشهرية للمرة الأولى في حياتهن.

- انعدام الخدمات الصحية: في ظل تعمد الاحتلال استهداف مراكز الخدمات الصحية في قطاع غزة، وتدمير المستشفيات والمراكز الصحية، كأحد الأدوات التي استخدمت في حرب الإبادة، عانت النساء من الحرمان من تلقي الرعاية الصحية اللازمة، وتفاقمت المعاناة في أوساط النساء الحوامل وصاحبات الأمراض المزمنة.  فقد اضطرت العديد من النساء الحوامل لوضع مواليدهن في الخيام وفي أماكن النزوح وحتى في الشوارع. كما أن العديد منهن، وفي ظل منع الاحتلال إدخال المستلزمات الطبية، وضعن مواليدهن في عمليات قيصرية ودون مواد تخدير طبية.

- غياب مراكز الدعم النفسي والاجتماعي: في ظل تعمد الاحتلال استهداف مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة النسوية منها، والتي اعتادت على تقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي للنساء، فإن النساء الفلسطينيات في قطاع غزة تعرضن لحالة من الانكشاف لم يسبق لها مثيل. فقد وجدت نساء فلسطين في قطاع غزة أنفسهنّ وحيدات في مواجهة حربٍ لم تبقِ ولم تذر. وقد ضاعف غياب الدعم النفسي والاجتماعي من معاناة النساء. ففي الفترة التي سبقت العدوان وفي ظل المعاناة التي فرضت على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فإن برامج الدعم النفسي والاجتماعي لعبت دورا مميزا في مساعدة النساء على تجاوز الأزمات، ووفرت لهن أدوات مكنتهنّ من التعامل مع الظروف التي فرضها الاحتلال عبر توفير مساحات آمنة لهن للتعبير عن مشاعرهن والحديث عن مخاوفهن وتفريغ الكبت الذي عانين منه. إلا أن مصدر الدعم هذا قد زاد من معاناة النساء وعزز الشعور بالاغتراب في أوساطهن.

- الحرمان من التعليم والفرص: كنتيجة طبيعية لحرب الإبادة والنزوح، تم حرمان النساء الفلسطينيات من التعليم وفرص التطور، فقد استهدف الاحتلال المؤسسات الأكاديمية ومنع مراكز التدريب المهني من العمل، عبر تكثيف القصف والاعتداءات العسكرية. كما أن العديد من المؤسسات التعليمية التي بقيت قائمة، قد استخدمت كمراكز للجوء والإيواء.

 تصاعد الانتهاكات وجرائم الحرب في الضفة الغربية:

كما هو ديدن الاحتلال ومنذ العام 1948، في استغلال أي فرصة متاحة من أجل قمع الشعب الفلسطيني ودفعه لترك وطنه، استغل الاحتلال انشغال العالم بمتابعة ما يجري في قطاع غزة للمضي قدما في سياسته القمعية بحق الفلسطينيين والفلسطينيات في الضفة الغربية عبر التضييق على الحياة العامة ومصادرة حرية الحركة من خلال منظومة من الحواجز العسكرية والبوابات (ما يزيد عن الألف حاجز عسكري وبوابة لتقطيع أوصال المواقع الفلسطينية). كما واصلت حكومة الاحتلال الحالية سياسة مصادرة الأراضي في الضفة الغربية لصالح المشاريع الاستيطانية، حيث صودرت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الفلسطينية لصالح بناء المستعمرات الجديدة وتوسيع تلك القائمة وشق شبكات الطرق التي تربط هذه المستعمرات. وضمن سياسة الاحتلال للتلاعب بالسرديات، اخترعت آلة الإعلام الصهيونية مصطلح "البؤر الاستيطانية غير الشرعية"، في محاولة منها لإضفاء الصفة الشرعية على الاستيطان، من خلال تصنيف المستعمرات بين "شرعية وغير شرعية أو عشوائية". كما قامت حكومة الاحتلال كذلك بتسليح ميليشيات المستوطنين وأطلقت يدها لترويع الفلسطينيين والفلسطينيات في الضفة الغربية، مما أعاد الى الذاكرة الفلسطينية صورة العصابات الصهيونية التي نشطت في ارتكاب الجرائم والمجازر بحق الشعب الفلسطيني في العام 1948. وسعيا من حكومة الاحتلال لمنع نمذجة هجوم السابع من تشرين أول في قطاع غزة ونقل التجربة إلى الضفة الغربية، قام جيش الاحتلال بتطبيق نموذج التدمير والقتل والتهجير الذي اعتمده في قطاع غزة، على مخيمات شمال الضفة الغربية. فقام  بتدمير مخيم جنين ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس وتهجير الفلسطينيين والفلسطينيات من هذه المخيمات. كما عمد جيش الاحتلال الى استهداف البنية التحتية عبر تجريف الشوارع وتدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي. كما أن الحصار الذي فرضه الاحتلال على الضفة الغربية ومنع دخول العمال الفلسطينيين الى داخل الخط الأخضر، إضافة الى الحصار المالي الذي فرضه على السلطة الفلسطينية، مما منعها من دفع رواتب موظفي وموظفات القطاع العام، قد أدى الى ارتفاعات هائلة في مستويات الفقر والبطال والانكشاف في أوساط الفلسطينيين والفلسطينيات كافة وخاصة الشرائح الهشة. 

 

كما قام الاحتلال بشن حملات اعتقال شرسة في الضفة الغربية بحيث وصلت عدد خالات الاعتقال الى ما يقرب من العشرة آلاف حالة ومن بينها ما يقرب من ستمائة امرأة وفتاة.   يضاف إلى ذلك ارتقاء مئات الشهداء والشهيدات في الضفة الغربية وارتقاء عشرات الشهداء من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. وفي إمعانه في قمع الشعب الفلسطيني، صوت برلمان الاحتلال (ما يسمى الكنيست)، على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في تحد صارخ لكافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية وإمعانا في العنجهية والتمييز العنصري.

أوضاع النساء في الضفة الغربية:

- تقييد حرية الحركة والوصول إلى الخدمات: تعاني النساء في الضفة الغربية من قيود متزايدة على حرية الحركة نتيجة انتشار منظومة الحواجز العسكرية والبوابات التي تتجاوز الألف حاجز، ما يعيق وصول النساء إلى أماكن العمل والتعليم والرعاية الصحية، ويضاعف الأعباء اليومية المرتبطة بالرعاية الأسرية.

- تصاعد إرهاب المستوطنين وتأثيره على النساء:  أدى تسليح ميليشيات المستوطنين وإطلاق يدها في الاعتداءات على الفلسطينيين والفلسطينيات إلى خلق بيئة غير آمنة للنساء، خصوصاً في القرى والمناطق الريفية القريبة من المستعمرات، ما يحد من مشاركتهن في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ويعرضهن وأسرهن لمخاطر مباشرة.

- التهجير القسري وتأثيره على النساء: تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدمير مخيمات شمال الضفة الغربية، مثل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في تهجير آلاف العائلات. تتحمل النساء في هذه الحالات أعباء إضافية مرتبطة بإدارة شؤون الأسرة في ظروف النزوح وفقدان السكن والاستقرار.

- تدمير البنية التحتية وتفاقم الأعباء اليومية:  أدى استهداف البنية التحتية، بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي وتجريف الطرق، إلى زيادة الأعباء المعيشية على النساء، اللاتي يتحملن تقليدياً مسؤوليات إدارة شؤون المنزل وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسرة.

- التدهور الاقتصادي وتأثيره على النساء: أسهم منع العمال الفلسطينيين من العمل داخل الخط الأخضر والحصار المالي المفروض على السلطة الفلسطينية في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وتتحمل النساء تبعات هذه الأزمة بشكل مضاعف، سواء من خلال فقدان مصادر الدخل أو ازدياد أعباء الرعاية والعمل غير المدفوع داخل الأسرة.

- تصاعد الاعتقالات بحق النساء: شهدت الضفة الغربية حملات اعتقال واسعة طالت ما يقارب عشرة آلاف فلسطيني وفلسطينية، من بينهم نحو ستمائة امرأة وفتاة، ما يعكس تصاعد استهداف النساء بالاعتقال ويخلّف آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة على أسرهن ومجتمعاتهن. كما أكدت العديد من التقارير الدولية والشهادات الحية التي قدمتها النساء الفلسطينيات، تعرضهن للاعتداءات الجنسية والتعذيب والاغتصاب على أيدي جنود الاحتلال. 

- تزايد المخاطر المرتبطة بالعنف والقتل: ارتقى مئات الشهداء والشهيدات في الضفة الغربية، ما يزيد من حالات الترمل وفقدان المعيل، ويضع النساء أمام مسؤوليات اقتصادية واجتماعية إضافية في ظل تدهور الأوضاع العامة. وحسب ما أفاد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال آذار 2026، فقد وصلت نسبة الأسر التي تترأسها نساء في فلسطين إلى 12% من المجموع الكلي للأسر. 

- البيئة التشريعية القمعية وتأثيرها على الأسرى والأسيرات: يعكس إقرار تشريعات مثل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تصعيداً خطيراً في سياسات العقاب الجماعي والتمييز العنصري، ما يفاقم المخاوف والضغوط النفسية على الأسرى والأسيرات وعائلاتهم، بما في ذلك النساء

الإطار القانوني الدولي لجرائم وانتهاكات الاحتلال:

لا يمكن التعامل مع انتهاكات الاحتلال وجرائمه في الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارها أحداثا مرتبطة بصراع عسكري أو حرب تقليدية، بل يجب التعامل معها بوصفها انتهاكات ممنهجة لمنظومة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالقواعد الدولية الناظمة لحماية المدنيين والمدنيات أثناء النزاعات المسلحة، تفرض على الأطراف المتصارعة، الالتزام بمبادئ أساسية من بينها مبدأ التمييز بين المقاتلين والمديين وكذلك مبدأ التناسب  ومبدأ اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين والبنية التحتية المدنية.  إلا أن الوقائع الميدانية، كما وثقتها التقارير الدولية وتقارير هيئات الأمم المتحدة، تشير إلى تعمد الاحتلال استهداف المدنيين والمدنيات والأعيان المدنية (مراكز صحية ومراكز خدمات اجتماعية ومؤسسات أكاديمية) مع تركيز الاستهداف على النساء والأطفال. كما عمد الاحتلال في حربه سواءً في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، إلى استهداف البنية التحتية المدنية واستخدام الحصار والتجويع كأدوات في حرب الإبادة ومحاولة تهجير الفلسطينيين والفلسطينيات، وهو ما يشكل انتهاكا فاضحا للقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان، ويرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية وانتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة مما يستوجب مقاضاة مجرمي الحرب على هذه الجرائم، وتفعيل البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يجيز فرض العقوبات على الدول التي تقوم بهذه الجرائم. 

كما أن جرائم الاحتلال تشكل خرقا فاضحا لاتفاقية جنيف الرابعةوالتي تحمي المدنيين والمدنيات أثناء الحروب والنزاعات المسلحة. وتلزم الاتفاقية المذكورة دولة الاحتلال بضمان حماية السكان المدنيين في الأراضي التي تقع تحت سيطرتها، وتحظر في الوقت نفسه، العقوبات الجماعية وتدمير الممتلكات الخاصة والتهجير القسري للسكان واستهداف المرافق المدنية الحيوية. كما أن الاتفاقية تفرض على الدولة القائمة بالاحتلال، واجب توفير الغذاء والرعاية الصحية للقاطنين والقاطنات في الأراضي المحتلة. ولكن الواقع مغاير تماما، إذ فرض الاحتلال حصارا مشددا على قطاع غزة ومنع إدخال المساعدات الإنسانية وتدمير ممنهج للمساكن والمنشآت المدنية، إضافة الى التهجير القسري، مما يشكل خرقا فظاً لهذه الاتفاقية. كما أن استهداف مخيمات الفلسطينيين في كل من جنين وطولكرم وتدميرها وتهجير المواطنين والمواطنات قسراً يندرج أيضا ضمن الانتهاكات المتواصلة لاتفاقية جنيف المشار إليها.

على صعيد ذي ارتباط، فإن الممارسات والجرائم التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة، ترقى الى مستوى الإبادة في انتهاك صريح لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها- 1948. فحسب هذه الاتفاقية، فإن جريمة الإبادة هي الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة إثنية أو قومية أو دينية، بما في ذلك قتل أفراد الجماعة وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية يراد بها هلاكهم. فالاستهداف الواسع للمدنيين والمدنيات وتدمير مقومات الحياة الأساسية واستخدام الحصار والتجويع وما يرافق ذلك من آثار كارثية على حياة النساء والأطفال، يرمي بالسؤال القانوني عن مدى انطباق عناصر هذه الجريمة على ممارسات الاحتلال خلال حرب الإبادة في قطاع غزة.

وبشكل أكثر تحديداً، فإن ممارسات الاحتلال تمثل خرقاً جليا لاتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز والعنف ضد المرأة (سيداو) والتي تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لضمان حماية النساء من العنف والتمييز وضمان تمتعهن بحقهن في الصحة والتعليم والعمل والحياة الكريمة. إلا أن استهداف النساء الفلسطينيات بشكل مباشر، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وحرماتهن من الوصول الى مراكز الخدمات الصحية، وحاصة مراكز الصحة الإنجابية، وتعريضهن لظروف قاسية نتيجة للنزوح وتدمير مقومات الحياة، وانعدام الأمن الغذائي، تشكل في مجملها انتهاكاً لهذه الاتفاقية والتي تبنتها الأمم المتحدة لضمان حماية النساء في كافة الظروف.

من جهة أخرى، فإن جرائم الاحتلال وممارساته تنتهك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325 الصادر في العام 2000 والذي يؤكد على ضرورة حماية النساء والفتيات من العنف أثناء الحروب والهجمات العسكرية، وضمان مشاركتهن في جهود السلام والتعافي. إلا أن تعرض النساء الفلسطينيات للقتل والتهجير والتجويع والحرمان من الخدمات الأساسية، يقوض بشكل مباشر المبادئ التي تضمنها القرار العتيد المشار إليه، ويعكس فشل المنظومة الدولية في تطبيق أجندة المرأة والسلام والأمن وتوفير الحماية للنساء الفلسطينيات، وهو ما عمق الفجوة بين النساء في فلسطين ومكونات القانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما أن ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق الاتفاقيات الدولية، قد عمق من الفجوة وأفقد الفلسطينيين والفلسطينيات الثقة في المنظومة الدولية، وهو ما سيلقي بتبعاتها مستقبلا على نظرة الفلسطينيين والفلسطينيات للأمم المتحدة وللاتفاقيات الدولية. ومما يزيد من عمق الهوة، التلاعب بالمؤشرات التي تقيس مدى التزام الدول بتطبيق أجندة المرأة والسلام والأمن، والتي تضع دولة الاحتلال في مقدمة الدول التي تلتزم بهذه الأجندة.

خلال العدوان المستمر، وثّقت تقارير أممية ودولية أن النساء الفلسطينيات تعرضن لانتهاكات جنسية متعددة، بما في ذلك الاعتداءات الجنسية، الاغتصاب، والتحرش، سواء أثناء الاقتحامات العسكرية أو في أماكن الاعتقال والاحتجاز. وتشكل هذه الأفعال انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، خصوصاً اتفاقيات جنيف الأربع التي تحظر الاعتداء على النساء أثناء النزاعات المسلحة، وتحظر استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب. كما تندرج هذه الانتهاكات تحت تعريف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يعتبر الاغتصاب والاعتداء الجنسي المنهجي جزءاً من الجرائم ضد الإنسانية عند ارتكابها كجزء من سياسة موجهة ضد السكان المدنيين. إضافة إلى ذلك، تنتهك هذه الممارسات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، التي تلزم الدول بحماية النساء من العنف وضمان تمتعهن بحقوقهن في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية. يُظهر استهداف النساء جنسياً من قبل الاحتلال،  بأنه أداة للقمع والإرهاب، وهو ما يستوجب مساءلة الاحتلال دولياً أمام المحاكم المختصة لضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.

 

وبشكل عام، يمكن التأكيد أن مجمل الجرائم والانتهاكات المشار إليها، وخاصة استهداف المدنيين والمدنيات، وتدمير الممتلكات والأعيان المدنية بشكل واسع، وكذلك التهجير القسري واستخدام التجويع كسلاح في الحرب، تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقا لأحكام نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية. وهنا يشار إلى أن نظام روما يشدد على مسئولية الأفراد، بمن فيهم القادة السياسيون والعسكريون، عن ارتكاب هذه الجرائم أو التوجيه بارتكابها أو التساهل مع مقترفيها. وعليه، فإن ضمان المساءلة القانونية الدولية عن هذه الانتهاكات يشكل خطوة على الطريق الصحيح نحو إنهاء حالة الإفلات من العقاب وضمان احترام قواعد القانون الدولي وحماية حقوق المدنيين، وخاصة النساء والفتيات في فلسطين المحتلة.  

آثار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني من منظور النوع الاجتماعي:

تكشف الوقائع الواردة أعلاه أن آثار العدوان والحصار لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد لتحدث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني، ذات أبعاد جندرية واضحة. فالنساء الفلسطينيات يتأثرن بهذه الأوضاع نتيجة للأدوار الاجتماعية والاقتصادية التي يتحملنها داخل الأسرة والمجتمع. ففي ظل القتل الواسع للمدنيين والمدنيات، وفقدان المعيل، وتدمير المنازل ومصادر الدخل، تجد آلاف النساء أنفسهن مضطرات لتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية إضافية، بما في ذلك إعالة الأسر ورعاية الأطفال والجرحى وكبار السن في ظروف شديدة القسوة. كما أن النزوح القسري، وانعدام الأمن الغذائي، وانهيار النظام الصحي، وغياب الخدمات الأساسية، يزيد من هشاشة أوضاع النساء والفتيات ويعرضهن لمخاطر متعددة، من بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتدهور الصحة الجسدية والنفسية، وتراجع فرص التعليم والعمل. وفي الوقت ذاته، تكشف هذه الظروف عن الدور المحوري الذي تلعبه النساء في الحفاظ على تماسك الأسر واستمرارية الحياة اليومية في ظل الأزمات، حيث تقف النساء في الخطوط الأمامية للصمود المجتمعي وإدارة الموارد المحدودة وتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهن. وعليه، فإن فهم الأبعاد الجندرية للعدوان يعد أمراً أساسياً لتقدير حجم التأثيرات طويلة الأمد على المجتمع الفلسطيني، كما يؤكد ضرورة تبني استجابات إنسانية وتنموية تراعي احتياجات النساء والفتيات وتضمن حمايتهن وتعزيز دورهن في جهود التعافي وإعادة بناء المجتمع.

الخلاصة:

من خلال ما تم تناوله في هذه الورقة، يتضح أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وخاصة النساء والفتيات، لا يمكن التعامل معه كتداعيات كلاسيكية لنزاع عسكري، بل يمثل نمطا ممنهج من الانتهاكات التي تمس جوهر القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، والقواعد الآمرة للأمم المتحدة. فقد حول الاحتلال الإسرائيلي النساء الفلسطينيات الى أهداف مباشرة وغير مباشرة للعدوان سواء من خلال القتل والتهجير والتجويع، أو من خلال تدمير مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.  إلا أن نساء فلسطين، وكما هي العادة، أظهرن دوراً محوريا في حماية النسيج المجتمعي وتعزيز الصمود الوطني في ظل ظروف عير مسبوقة من العنف والحرمان. واستمرار هذه الانتهاكات والجرائم في ظل غياب المساءلة الدولية يشكل خطرا، ليس فقط على حقوق النساء الفلسطينيات، بل أيضا على السلم والأمن على مستوى العالم ويضع مصداقية الأمم المتحدة والنظام الدولي على المحك. كما أن استمرار  جرائم الاحتلال، يلقي بكرة النار في وجه الأنظمة والحكومات التي تدعي تبنيها للقيم الإنسانية وحقوق الإنسان، تلك القوى التي تخوض الحروب المدمرة للدول والشعوب، بذريعة تحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان (لمن ينجو من دمار هذه الحروب) في الدول المستهدفة 

التوصيات:

- ضرورة قيام الأمم المتحدة بتفعيل البند السابع من ميثاقها وفرض العقوبات على دولة الاحتلال كونها تنتهك ميثاق الهيئة الدولية وتهدد الأمن والسلام الدوليين.

- ضرورة إصدار مجلس الأمن لقرار ملزم لدولة الاحتلال لوقف انتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني وخاصة النساء وضمان تطبيق التوصيات الواردة في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية والقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لإلزام دولة الاحتلال بإنهاء احتلالها لفلسطين.

- ضرورة تشكيل محاكم دولية لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب من قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين.

- ضرورة عقد مؤتمر دولي للدول الموقعة على اتفاقيات جنيف من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لإجبار دولة الاحتلال على احترام الاتفاقيات والالتزام ببنودها

- ضرورة توفير الحماية الدولية الفورية للشعب الفلسطيني عامة والنساء خاصة.

- ضرورة إعلان دولة الاحتلال كدولة تنتهك حقوق النساء وتشكل خطرا عليهن وإعادة النظر في معايير تقييم دولة الاحتلال على مؤشر مدى التزام الدول بتطبيق أجندة المرأة والسلام والأمن.

جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية

آذار 2026