سباق ما بعد الذكاء الاصطناعي.. الحوسبة الكمومية تفتح جبهة جديدة بين واشنطن وبكين

سباق ما بعد الذكاء الاصطناعي.. الحوسبة الكمومية تفتح جبهة جديدة بين واشنطن وبكين

المؤشر 29-03-2026   بينما يشتد التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين في ميادين الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، تتجه بوصلة الصراع العالمي نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة: الحوسبة الكمومية.

هذه التكنولوجيا الناشئة لم تعد مجرد مشروع بحثي في المختبرات، بل أصبحت رهاناً استراتيجياً قد يعيد تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي وأمن الدول، من التشفير والاتصالات إلى الحوسبة عالية القدرة التي تتجاوز حدود الأنظمة التقليدية.

وفي ظل تسارع الاستثمارات الحكومية والخاصة في الجانبين، يتحول هذا المجال إلى ساحة سباق جديدة تُقاس فيها القوة ليس فقط بحجم الاقتصاد أو عدد الابتكارات، بل بقدرة الدول على السيطرة على «عقل الحوسبة» في المستقبل.

ما الذي يجب استخلاصه من هذا السباق؟

 

تكشف معطيات المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الحوسبة الكمومية أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من «الاقتصاد القائم على التفوق الحسابي»، حيث لم تعد القوة التكنولوجية تقاس بالابتكار التقليدي فقط، بل بالقدرة على امتلاك أدوات حوسبة قادرة على إعادة تعريف الأمن والاقتصاد معاً.

 

وفقاً لتقرير حديث صادر عن مؤسسة «جيفريز»، لم تعد الحوسبة الكمومية مجرد مجال بحثي أكاديمي، بل تحولت إلى أصل استراتيجي تتعامل معه القوى الكبرى باعتباره جزءاً من أمنها القومي. ويضع التقرير هذه التكنولوجيا إلى جانب الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات باعتبارها الأعمدة الثلاثة للهيمنة الجيوسياسية في العقود المقبلة.

وتعتمد هذه التقنية على مبادئ ميكانيكا الكم، ما يمنحها قدرة حسابية هائلة مقارنة بالحواسيب التقليدية، وهو ما يجعلها مؤهلة لإعادة تشكيل قطاعات كاملة مثل المالية، والدفاع، والدواء، والطاقة.

الصين نموذج مركزي يقوده التمويل الحكومي

اتبعت الصين نهجاً مركزياً تقوده الدولة، حيث دمجت الحوسبة الكمومية ضمن خطتها الخمسية الأخيرة كأحد المجالات التكنولوجية السبعة ذات الأولوية الاستراتيجية.

وبحسب تقديرات التقرير، خصصت بكين نحو 16 مليار دولار لدعم تطوير هذا القطاع، وهو ما يعادل تقريباً أربعة أضعاف حجم الاستثمارات الحكومية الأميركية حتى الآن في المجال نفسه.

هذا النهج المركزي مكّن الصين من تحقيق تقدم سريع على عدة مستويات، أبرزها: استحواذها على نحو 60% من طلبات براءات الاختراع العالمية في مجال الكم. وإنتاج حجم كبير من الأبحاث العلمية في هذا التخصص. وتوسعها في بناء منظومة بحثية مرتبطة مباشرة بالأولويات الحكومية.

كما يشير التقرير إلى أن الصين تتصدر أيضاً مجالات علمية أوسع، مثل التكنولوجيا الحيوية، حيث تتفوق في عدد كبير من الفئات البحثية العالمية، ما يعكس توسع نفوذها العلمي بشكل عام.

الولايات المتحدة وتفوق الابتكار اللامركزي

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على نموذج مختلف تماماً، قائم على اللامركزية وتعدد الفاعلين. إذ يضم النظام البيئي الأميركي أكثر من 40 شركة كبرى ومختبرات وطنية وجامعات مرموقة، إلى جانب شركات التكنولوجيا العملاقة التي تستثمر بقوة في هذا المجال.

ويركز الدعم الحكومي الأميركي على تمويل الأبحاث، ووضع معايير القياس والتحقق، بدلاً من توجيه السوق نحو أبطال وطنيين محددين، وهو ما يخلق بيئة تنافسية متعددة المسارات التقنية.

وتراهن واشنطن على أن هذا التنوع في الأساليب البحثية قد يؤدي إلى تسريع الابتكار واكتشاف حلول اختراقية غير متوقعة، حتى وإن كان أقل تنسيقاً مقارنة بالنموذج الصيني.

تفوق متباين بين الطرفين

تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الصين تتفوق حالياً من حيث الحجم والكم، سواء في عدد براءات الاختراع أو حجم الإنتاج البحثي. إلا أن الصورة أكثر تعقيداً على أرض الواقع، إذ تتقاسم الدولتان التفوق في بعض الفروع التقنية الأساسية مثل أجهزة الاستشعار الكمومية وبُنى الحوسبة.

في الوقت نفسه، تتميز الولايات المتحدة بعمق القطاع الخاص وتنوع الاستثمارات، حيث تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تطوير عدة مسارات مختلفة للحوسبة الكمومية، وهو ما قد يمنحها مرونة أكبر في المدى الطويل.

بداية تسويق التقنية

رغم أن الحوسبة الكمومية لا تزال في مراحلها المبكرة، فإن مؤشرات التسويق التجاري بدأت بالظهور بالفعل. فقد بدأت شركات في كلا البلدين بتحقيق إيرادات أولية عبر عقود حكومية تجريبية، مشاريع بحثية مع مؤسسات مالية وصناعية، وتقديم خدمات الحوسبة الكمومية عبر السحابة.

ويشير أحد الأمثلة الواردة في التقرير إلى شركة ضمن قائمة «فورتشن 100» تمكنت من تحسين كفاءة عملياتها بنسبة تقارب 20% باستخدام حلول تحسين قائمة على الحوسبة الكمومية.

سباق نحو نقطة تحول بين 2028 و2030

يتوقع تقرير «جيفريز» أن يشهد العالم نقطة تحول حاسمة في تبني الحوسبة الكمومية خلال الفترة بين 2028 و2030، مع تسارع الانتقال من الأبحاث إلى الاستخدام التجاري الواسع.

كما يشير التقرير إلى محفزات سياسية واقتصادية مرتقبة، من بينها احتمالات إصدار أوامر تنفيذية جديدة في الولايات المتحدة لدعم القطاع، إلى جانب خطط صينية لتأسيس صندوق توجيهي وطني قد تصل قيمته إلى 120 مليار دولار لتعزيز تطوير المشاريع التكنولوجية المتقدمة.