حرب إيران تعزز خزائن موسكو.. مكاسب تتخطى النفط
المؤشر 28-03-2026 تُمثل الحرب في إيران طوق نجاة للاقتصاد الروسي المتعثر، إذ أسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة بشكل عزز إيرادات الكرملين، وساعده على سد فجوة في الميزانية الفيدرالية، والاستمرار في تمويل عملياته العسكرية في أوكرانيا.
ولا تقتصر المكاسب على النفط فقط، بل إن الاضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي والأسمدة عالمياً –نتيجة الصراع في الشرق الأوسط– قد تمنح روسيا دفعة مالية إضافية، في ظل زيادة الطلب على هذه الموارد التي تُعد موسكو من كبار منتجيها.
وقال بن كاهيل، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن "أكبر المستفيدين من الصراع الإيراني هي روسيا"، مشيرًا إلى أن الكرملين أصبح قادراً على بيع نفطه الخام، الذي كان يُباع بخصومات، بالأسعار الكاملة للسوق، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً للاقتصاد الروسي.
تأتي هذه العوائد الإضافية في توقيت حرج، إذ كانت روسيا –قبل اندلاع الحرب– تتجه نحو أزمة حقيقية في الميزانية، بحسب ألكسندرا بروكوبينكو، الباحثة في مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا في برلين.
ورغم أن الصراع الحالي لم يغير بشكل جذري مسار الاقتصاد الروسي المتضرر هيكليًا بسبب الحرب طويلة الأمد، فإنه منح موسكو “بعض الوقت” لتأجيل الضغوط، وهو ما انعكس في توجه الحكومة لتأجيل خفض الإنفاق المتوقع لهذا العام إلى عام 2027.
وبحلول منتصف مارس، ارتفع سعر خام الأورال الروسي إلى نحو 90 دولاراً للبرميل، أي ما يقارب ضعف مستواه في فبراير، ما وفر مليارات الدولارات الإضافية شهرياً، يذهب جزء كبير منها مباشرة إلى خزائن الدولة.
وتشكل إيرادات النفط والغاز نحو ربع الميزانية الفيدرالية لروسيا، وهي عنصر أساسي في تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، ما يجعل هذه التطورات أخباراً سيئة لكييف، وفق محللين.
قبل الحرب، كانت صادرات النفط الروسي تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب العقوبات الغربية، ما أدى إلى تراجع عدد المشترين وفرض خصومات كبيرة على الأسعار. كما فرضت الولايات المتحدة قيودًا على بعض المشترين، مثل الهند.
وقد انعكس ذلك في تراجع صادرات النفط الروسي إلى أدنى مستوياتها منذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022، مع انخفاض الإيرادات بنحو 30% على أساس سنوي خلال فبراير.
لكن الحرب في إيران أحدثت تحولًا جذريًا، خاصة مع تخفيف مؤقت للعقوبات الأميركية على النفط الروسي المنقول بحرًا، بهدف الحفاظ على تدفق الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، تتجه شحنات النفط الروسي إلى الهند نحو الارتفاع بشكل كبير، مع سعي المصافي الهندية لتعويض نقص الإمدادات من الشرق الأوسط. بل إن بعض المشترين في الهند دفعوا أسعاراً أعلى للخام الروسي مقارنة بخام “برنت” القياسي عالميًا.
كما أسهم ارتفاع أسعار النفط في تعويض أي خسائر ناتجة عن الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية، والتي أدت –بحسب تقديرات– إلى توقف نحو 40% من قدرة التصدير مؤقتًا.
مكاسب إضافية من الغاز والأسمدة
لا تتوقف الفوائد عند النفط، إذ يمثل مضيق هرمز ممراً حيوياً ليس فقط للنفط، بل أيضًا للغاز الطبيعي المسال والأسمدة والمعادن، وهي قطاعات تمتلك فيها روسيا حضوراً قوياً.
وبصفتها ثاني أكبر مصدر للأسمدة عالميًا، بدأت روسيا بالفعل في تلقي طلبات متزايدة، خاصة من دول مثل نيجيريا وغانا، مع اتجاه بعض المستوردين إلى تأمين احتياجاتهم مسبقًا.
كما أن روسيا تُعد ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي عالميًا بعد الولايات المتحدة، ما يعزز فرصها في الاستفادة من أي اضطرابات في الإمدادات العالمية، وسط تكهنات بإمكانية تأجيل الاتحاد الأوروبي خططه للتخلي الكامل عن الغاز الروسي.
وترى تاتيانا ميتروفا، الباحثة في جامعة كولومبيا، أن تخفيف العقوبات الأميركية –ولو بشكل جزئي– قد يفتح الباب أمام موسكو لإعادة التفاوض مع واشنطن بشأن ترتيبات أوسع في المستقبل.
قد يدفع اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط دولًا كبرى مثل الصين والهند إلى تقليل اعتمادها على المنطقة، والتوجه بشكل أكبر نحو الطاقة الروسية، وهو ما قد يعزز مشاريع بنية تحتية ضخمة مثل خطوط الأنابيب بين موسكو وبكين.
فعلى سبيل المثال، قد تصبح الصين أكثر استعدادًا للمضي قدمًا في مشروع "قوة سيبيريا 2" لنقل الغاز، خاصة مع تزايد أهمية الإمدادات البرية الآمنة بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية.
ورغم هذه المكاسب، فإنها قد لا تستمر طويلًا، إذ قد تدفع صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب دولًا مثل الصين والهند إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الواردات.
كما أن روسيا ليست بمنأى عن ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار السلع عالميًا، حيث رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للتضخم في روسيا إلى 6% هذا العام.
وفي المقابل، من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الروسي إلى 0.6% فقط، مقارنة بـ1% في 2025، ما يعكس أن المكاسب الحالية تظل قصيرة الأجل، ولا تمثل حلًا مستدامًا للتحديات الهيكلية التي تواجه اقتصاد البلاد في ظل حرب طويلة وتزايد الديون وتراجع الاستثمارات.



