الحرب تربك حسابات البنوك المركزية.. صدمة الطاقة تعرقل خفض الفائدة

الحرب تربك حسابات البنوك المركزية.. صدمة الطاقة تعرقل خفض الفائدة

المؤشر 17-03-2026  تتجه أنظار المستثمرين حول العالم هذا الأسبوع إلى اجتماعات البنوك المركزية الكبرى، في أسبوع قد يحدد ملامح السياسة النقدية العالمية خلال الأشهر المقبلة، في وقت أعادت فيه الحرب في الشرق الأوسط إشعال المخاوف من موجة تضخم جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة.

وتعقد عدة بنوك مركزية رئيسية اجتماعاتها خلال الأيام المقبلة، في مقدمتها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، إلى جانب بنوك مركزية أخرى مثل بنك اليابان والبنك الوطني السويسري، في أسبوع وصفه محللون بأنه من الأكثر حساسية للأسواق هذا العام.

مخاطر الركود التضخمي تعود إلى الواجهة

وفي هذا السياق يقول نديم السبع، الرئيس التنفيذي لشركة «فيرست فايننشال ماركت»، إن الاقتصادات العالمية والبنوك المركزية تواجه حالياً وضعاً معقداً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، إلى جانب تزايد احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي.

وأوضح في تصريحات لـسي إن إن الاقتصادية أن صناع السياسة النقدية يواجهون خطر «الركود التضخمي»، وهو مزيج من التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الضعيف، ما يضع البنوك المركزية في موقف صعب بين خيارين كلاهما مكلف: رفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم أو خفضها لدعم الاقتصاد.

 

وأضاف أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية هو تبني البنوك المركزية موقف «الانتظار والترقب»، أي تجنب رفع أو خفض الفائدة في الوقت الراهن لتفادي إحداث صدمات إضافية في الأسواق.

وأشار السبع إلى أن الحل الحقيقي للأزمة الحالية سياسي وأمني بالدرجة الأولى، موضحاً أن تسوية النزاعات وعودة الاستقرار للممرات التجارية ستؤدي إلى تراجع أسعار الطاقة وعودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها.

ولفت أيضاً إلى أن معظم الاقتصادات العالمية، وليس فقط الاقتصادين الأميركي والأوروبي، لا تستطيع تحمل استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترات طويلة.

أسعار الطاقة تعرقل خطط خفض الفائدة

من جانبه يرى جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في سيدرا ماركت  ، أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة أصبح العقبة الأكبر أمام خطط الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لبدء دورة خفض أسعار الفائدة.

وأوضح أن الأسواق كانت تتوقع في السابق عدة تخفيضات للفائدة، لكن هذه التوقعات تراجعت بشكل كبير، حيث انتقل السيناريو من ثلاثة تخفيضات محتملة إلى احتمال عدم خفض الفائدة إطلاقاً أو خفض واحد فقط محدود.

وأضاف يرق أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط قد يدفع التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات تتراوح بين 3.5% و4%، وهو ما سيضع الفيدرالي في مأزق حقيقي بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.

أما في أوروبا فقد بدأت التوقعات تتغير أيضاً، إذ بعدما كانت الأسواق ترجح استقرار الفائدة قرب 2%، ظهرت الآن احتمالات رفع الفائدة مجدداً إذا استمرت الضغوط التضخمية الناتجة عن أسعار النفط.

وحذر يرق من أن الاقتصاد الأوروبي قد يكون الأكثر تأثراً بصدمة الطاقة، موضحاً أن النمو قد يتراجع من 1.4% إلى نحو 0.7% إذا تجاوز النفط مستوى 100 دولار للبرميل، مع مخاوف من عودة الانكماش الاقتصادي في ألمانيا.

وأشار كذلك إلى أن اعتماد أوروبا الكبير على واردات الطاقة، مقارنة بالاكتفاء النسبي للولايات المتحدة، يجعلها أكثر هشاشة أمام صدمات الأسعار العالمية.

مأزق البنوك المركزية

بدوره قال ميشال صليبي، كبير محللي الأسواق المالية لدى «إف إكس برو» FXPro، إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة يعقد بشكل كبير خطط السياسة النقدية للبنوك المركزية بسبب تأثيره المباشر على معدلات التضخم.

وأوضح أن الخطر الأكبر لا يتمثل في ارتفاع أسعار النفط بحد ذاته، بل في مدة استمرار الصدمة، إذ إن استمرارها لفترة طويلة قد يحولها من صدمة مؤقتة إلى تضخم واسع النطاق يشمل قطاعات النقل والتصنيع والخدمات.

وأضاف أن هذه التطورات أعادت إلى الواجهة مخاوف حدوث ركود تضخمي، خصوصاً في الولايات المتحدة.

وأوضح أن مساحة المناورة أمام الاحتياطي الفيدرالي أصبحت محدودة، حيث تشير التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع الحالي، مع تراجع الرهانات على خفضها خلال عام 2026.

وأشار إلى أن البنك المركزي الأوروبي يواجه معضلة أكثر تعقيداً، نظراً لأن اقتصاد منطقة اليورو لم يتعافَ بالكامل بعد من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية.

أولويات السياسة النقدية

ويرى صليبي أن الأولوية الحالية للبنوك المركزية الكبرى، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو بريطانيا، أصبحت تحييد الأثر التضخمي للحرب حتى لو جاء ذلك على حساب تباطؤ النمو الاقتصادي.

وأضاف أن تجربة عام 2022 ما زالت حاضرة في أذهان صناع القرار، حيث تبين أن اعتبار صدمات الطاقة «مؤقتة» قد يكون خطأ مكلفاً إذا تسرب التضخم إلى ما يعرف بتضخم الأساس وتوقعات الشركات والمستهلكين.

أسبوع قد يحدد اتجاه الأسواق

ومع تزامن اجتماعات عدة بنوك مركزية في أسبوع واحد، يترقب المستثمرون الرسائل التي سيبعث بها صناع السياسة النقدية للأسواق.

فإذا استمرت صدمة الطاقة وارتفعت أسعار النفط لفترة طويلة، قد تضطر البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة وربما التفكير في تشديد السياسة النقدية مجدداً.

أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية سريعاً، فقد تعود توقعات خفض الفائدة إلى الواجهة.

لكن حتى ذلك الحين يبقى السؤال المطروح في الأسواق العالمية: هل يشهد العالم عودة دورة الفائدة المرتفعة من جديد؟