في عصر الذكاء الاصطناعي .. عندما تصبح الحقيقة معركة رقمية
المؤشر 06-10-2026
الكاتب: محمد بسام جودة
لم تعد الحرب الحديثة تُخاض في الميدان وحده. فبالتوازي مع القصف والدمار والنزوح، تدور معركة أخرى على شاشات الهواتف .. معركة الصورة، والفيديو، والمعلومة، ومن يملك القدرة على الوصول إلى الجمهور وتحديد ما يصدقه.
وفي الحرب على غزة، أصبحت المنصات الرقمية مصدرًا رئيسيًا لمتابعة الأحداث بالنسبة إلى ملايين الأشخاص حول العالم. وفي الوقت نفسه، جعل التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج الصور والفيديوهات والأصوات والنصوص الاصطناعية أكثر سهولة، الأمر الذي يضع الصحفي أمام تحدٍ جديد: كيف يثبت أن ما يراه حقيقي قبل أن ينقله إلى الجمهور؟
وتشير اليونسكو إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وسّع القدرة على إنتاج المحتوى، لكنه في الوقت نفسه زاد مخاطر انتشار المواد الاصطناعية أو المعدلة بسرعة، وما يرافق ذلك من تهديد لنزاهة المعلومات. (unesco.org)
عندما لا تعود الصورة دليلاً كافياً
لسنوات طويلة، كانت الصورة أو مقطع الفيديو من أقوى الأدلة في التغطية الصحفية.
أما اليوم، فلم يعد وجود صورة أو فيديو كافيًا لإثبات صحة ما يظهر فيه.
يمكن للصورة أن تكون قديمة، أو أن تكون ملتقطة في مكان آخر، أو أن يعاد استخدامها في سياق مختلف، كما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج محتوى شديد الواقعية.
وهذا لا يعني أن كل صورة أو فيديو متداول مزيف، بل يعني أن التحقق أصبح جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي نفسه.
وتشير اليونسكو إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الصحفيين في البحث والتحقق وتحليل البيانات، لكنها في الوقت ذاته تفرض مخاطر تتعلق بالتضليل والتحيز والمحتوى المزيف، بما في ذلك تقنيات التزييف العميق. (unesco.org)
الصحفي أمام اختبار جديد
في بيئة الحرب يصبح التحقق أكثر صعوبة.
قد يصل الفيديو إلى الصحفي بعد ساعات من تصويره، وقد يكون المصدر مجهولًا، وقد تكون المعلومات المصاحبة له غير دقيقة. وفي ظل سرعة انتشار المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، يمكن لمعلومة خاطئة أن تصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتاح للصحفي فرصة التحقق منها.
لذلك لم يعد السؤال الصحفي التقليدي: ماذا حدث؟
بل أصبح هناك سؤال آخر يسبقه:
كيف نعرف أن ما نعتقد أنه حدث قد حدث فعلاً؟
وهنا تظهر أهمية أدوات التحقق الرقمي، مثل البحث العكسي عن الصور، وتحليل البيانات الوصفية عندما تكون متاحة، ومقارنة الصور بالأرشيفات، وتحديد الموقع الجغرافي، ومقارنة المصادر المستقلة، والاستعانة بصور الأقمار الصناعية عند الحاجة.
الذكاء الاصطناعي .. أداة وليست مصدراً
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الصحفي في ترجمة النصوص، وتلخيص الوثائق، وتحليل كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف أنماط في المعلومات، وحتى المساعدة في التحقق من بعض المواد الرقمية.
لكن استخدام هذه الأدوات لا يعني نقل مسؤولية التحقق إليها.
فالذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يخطئ أو ينتج معلومات غير صحيحة، ولذلك تؤكد مبادئ اليونسكو المتعلقة بالصحافة والذكاء الاصطناعي ضرورة إخضاع المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي لمعايير التحقق والدقة نفسها التي يخضع لها أي محتوى صحفي آخر. (articles.unesco.org)
وبالتالي يبقى الصحفي هو المسؤول عن السؤال والتحقق والمقارنة ونسب المعلومات إلى مصادرها.
غزة .. بيئة إعلامية شديدة الحساسية
تكتسب هذه القضية أهمية إضافية في غزة، حيث يعمل الصحفيون في ظروف شديدة الصعوبة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، قالت اليونسكو إنها تعمل مع شركاء في غزة لتعزيز قدرات الصحفيين في مجال السلامة الرقمية، والتحقق، والصحافة الميدانية، والتعامل مع البيئة الرقمية. كما شملت البرامج التدريبية الصحافة الرقمية وإنتاج المحتوى الصوتي والمرئي. (unesco.org)
وهذا يعكس تحولاً في مفهوم السلامة الصحفية نفسه.
فحماية الصحفي لم تعد تقتصر على الخطر الميداني، بل تشمل أيضًا حماية حساباته وبياناته ومصادره، والتعامل مع محاولات التضليل والاختراق وانتحال الهوية والمحتوى المزيف.
معركة الحقيقة
في الحروب لا تكون المعلومة مجرد وسيلة لوصف ما يحدث؛ بل يمكن أن تصبح جزءًا من الصراع نفسه.
ولهذا فإن الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي تواجه مهمة مزدوجة: نقل الأحداث بسرعة، والتأكد في الوقت نفسه من أن السرعة لا تأتي على حساب الحقيقة.
وقد يكون التحدي الأكبر أمام الصحفي في السنوات المقبلة ليس الوصول إلى المعلومات، بل تمييز المعلومات الموثوقة من الكم الهائل من المحتوى الذي يمكن إنتاجه وتعديله ونشره آليًا.
وتشير اليونسكو إلى أن مستقبل الصحافة في البيئة الرقمية يحتاج إلى الجمع بين الابتكار التكنولوجي والمعايير المهنية، مع الحفاظ على التحقق والشفافية والمساءلة. (unesco.org)
في غزة، حيث أصبحت الصورة جزءًا أساسيًا من توثيق الحرب، تصبح هذه المسؤولية أكثر حساسية.
فالصحفي الذي ينشر معلومة غير دقيقة قد يساهم، ولو من دون قصد، في تضليل الجمهور.
أما الصحفي الذي يتحقق، ويقارن، ويكشف مصدر الصورة، ويشرح حدود ما يعرفه وما لا يعرفه، فإنه لا ينقل خبرًا فقط ، بل يؤدي وظيفة أساسية في حماية الحقيقة.
وفي عصر يمكن فيه للآلة أن تصنع صورة مقنعة خلال ثوانٍ، تصبح قيمة الصحفي في قدرته على طرح السؤال الذي لا تستطيع الخوارزمية أن تجيب عنه وحدها .. هل هذا حقيقي؟


