فخ الشيكل الزائد قراءة اقتصادية لأزمة التحويلات المالية بين فلسطين وإسرائيل في ظل اتفاقية باريس

فخ الشيكل الزائد قراءة اقتصادية لأزمة التحويلات المالية بين فلسطين وإسرائيل في ظل اتفاقية باريس

المؤشر 02-07-2026

الكاتب: رائد ابو عيد

منذ توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية (1994)، والتي شكلت الإطار القانوني للعلاقات الاقتصادية بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل، عاش الاقتصاد الفلسطيني حالة من التبعية الهيكلية العميقة. لم تكن هذه الاتفاقية مجرد ترتيب جمركي، بل كانت ربطاً نقدياً أحادي الجانب، حيث اعتمدت العملة الإسرائيلية (الشيكل) كعملة تداول رئيسية في الأراضي الفلسطينية، دون وجود بنك مركزي فلسطيني يمتلك أدوات السياسة النقدية التقليدية (مثل طباعة العملة أو تحديد سعر الفائدة بشكل مستقل).

واليوم، ونحن في عام 2026، نجد أنفسنا أمام أزمة متكررة ومتفاقمة تُعرف بـ "أزمة فائض الشيكل" أو "أزمة التحويلات". هذه الأزمة ليست طارئة، بل هي نتيجة حتمية لتصميم اقتصادي معيب يخدم الطرف الأقوى.

جذور الأزمة: كيف تعمل آلية التحويل؟

بحسب بروتوكولات باريس، تقوم إسرائيل بجباية الإيرادات الجمركية والضرائب (ما يعرف بأموال المقاصة - Clearance Revenues) نيابة عن السلطة الفلسطينية، وتحولها شهرياً بعد خصم مستحقاتها (كفاتورة الكهرباء والمياه التي تشتريها فلسطين من إسرائيل). المشكلة تكمن في أن الاقتصاد الفلسطيني يستورد أكثر مما يصدر، مما يعني تدفقاً هائلاً للشيكل إلى السوق الفلسطيني لشراء السلع الإسرائيلية.

ولكن، عندما يحاول القطاع الخاص الفلسطيني أو البنوك تحويل الفائض من الشيكات أو الأموال النقدية بالشيكل إلى حساباتهم البنكية أو استثمارها خارجياً، تواجه عقبات بيروقراطية وسياسية إسرائيلية متعمدة أحياناً، أو ناتجة عن اختناقات في النظام المصرفي الإسرائيلي الذي يعتبر الودائع الفلسطينية "مخاطرة عالية".

حجم الفائض وتأثيره الخانق على الاقتصاد الفلسطيني

تشير التقديرات المالية الحديثة إلى أن السوق الفلسطيني يعاني من تراكم سيولة نقدية بالشيكل تقدر بمئات الملايين من الدولارات بشكل دوري. هذا "الفائض" ليس نعمة، بل هو نقمة للأسباب التالية:

1. شلل السيولة البنكية: تتراكم أوراق الشيكل النقدية والشيكات لدى التجار والشركات، ولا تستطيع البنوك الفلسطينية استيعابها كلها بسبب قيود التحويل إلى البنك المركزي الإسرائيلي أو نقص القنوات الاستثمارية الآمنة. هذا يؤدي إلى شح في السيولة المتاحة للإقراض.

2. ارتفاع تكلفة الاقتراض:عندما تجف السيولة في البنوك، ترتفع أسعار الفائدة على القروض المقدمة للقطاع الخاص الفلسطيني، مما يقتل المشاريع الصغيرة والمتوسطة ويخنق النمو الاقتصادي.

3. تآكل قيمة المدخرات:عدم القدرة على تحويل الفائض إلى عملات صعبة (دولار/يورو) أو استثماره في أصول منتجة، يعرض رأس المال الفلسطيني للتضخم المحلي ولتقلبات سعر الصرف غير المباشرة.

4. الابتزاز السياسي:تستخدم إسرائيل تأخير أو تعطيل تحويل أموال المقاصة، بالإضافة إلى صعوبات تحويل فائض الشيكل، كأداة ضغط سياسي. فتراكم الشيكل يصبح رهينة بيد الاحتلال، مما يهدد قدرة السلطة على دفع رواتب الموظفين العموميين (الذين يشكلون عماد الاستهلاك المحلي).

 

لماذا يتراكم الشيكل؟ (التشريح الاقتصادي)

* العجز التجاري الهائل: فلسطين تستورد نحو 70-80% من احتياجاتها من إسرائيل، مما يضخ شيكلات في السوق. لكن الصادرات الفلسطينية محدودة جداً، فلا تعود الشيكلات إلى إسرائيل عبر التجارة بنفس السرعة، فتتراكم محلياً.

* غياب سوق مالي عميق: لا توجد أدوات استثمارية محلية كافية لاستيعاب هذه السيولة الضخمة (سندات حكومية طويلة الأجل، سوق أسهم نشط)، مما يجبر الأموال على البقاء كسيولة نقدية راكدة.

* قيود إسرائيلية على التحويلات الخارجية: تشدد إسرائيل على تحويل الأموال من الحسابات الفلسطينية إلى الخارج خوفاً من "غسيل الأموال" أو تمويل ما تصفه بأنشطة مقاومة، مما يغلق قنوات تصريف السيولة.

الحلول المقترحة: من الإسعاف إلى العلاج الجذري

حل أزمة تراكم الشيكل يتطلب مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين الإجراءات العاجلة والإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد:

1. حلول قصيرة ومتوسطة الأمد (إسعافية):

* تفعيل آفاق الدفع الرقمي الإقليمي: التشجيع على استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني الإقليمية والدولية لتقليل الاعتماد على النقد الورقي (الكاش) الذي يسبب الاختناقات اللوجستية والأمنية في النقل والتحويل.

* اتفاقيات مقاصة ثنائية مع دول عربية: بدلاً من تحويل الفائض إلى إسرائيل ثم إلى الدولار، يمكن عقد اتفاقيات مع الأردن ومصر ودول الخليج لاستيراد سلع منها مباشرة ودفع قيمتها بالدينار أو الدرهم أو الريال، مما يقلل الحاجة للشيكل ويوفر قناة لتصريفه.

* تحسين كفاءة جباية الضرائب المحلية: تقليل الاعتماد على أموال المقاصة الإسرائيلية من خلال تعزيز جباية الضرائب الداخلية، مما يمنح السلطة مرونة أكبر في إدارة سيولتها دون انتظار التحويلات الإسرائيلية.

2. حلول هيكلية طويلة الأمد (استراتيجية):

* إنشاء مقاصة إقليمية مستقلة: السعي لإنشاء غرفة مقاصة (Clearing House) عربية أو دولية تتولى تسوية المدفوعات بين فلسطين وشركائها التجاريين، bypassing (تجاوز) النظام المصرفي الإسرائيلي قدر الإمكان.

* تنويع العملات المتداولة: التشجيع الرسمي والفعلي على استخدام الدولار الأمريكي والدينار الأردني في المعاملات الكبيرة والعقارات، لتقليل الحصة السوقية للشيكل تدريجياً. هذا يتطلب ثقة عالية واستقراراً سياسياً.

* تطوير سوق السندات الفلسطينية: إصدار سندات حكومية وسلطة نقدية جذابة بالفائدة لجذب فائض السيولة من البنوك والأفراد، واستخدام هذه الأموال في مشاريع بنية تحتية منتجة، بدلاً من تركها راكدة.

* الضغط الدولي لفك الارتباط النقدي الجزئي: العمل الدبلوماسي للحصول على ضمانات دولية تسمح للبنوك الفلسطينية بالتعامل المباشر مع بنوك مراسلة عالمية دون عوائق إسرائيلية، بما يتوافق مع معايير مكافحة غسيل الأموال الدولية ولكن بعيداً عن الابتزاز السياسي.

خاتمة

أزمة فائض الشيكل ليست مجرد مشكلة فنية مصرفية، بل هي تجسيد واضح لـ "