تحولات في موازين القوى أم إدارة جديدة للصراعات ؟
المؤشر 15-06-2026
الكاتب: مروان أميل طوباسي
قد لا يكون ما تشهده المنطقة اليوم من تطورات مرتبطاً بقوة الردع الإيرانية وحدها ، بل أيضاً بخشية الولايات المتحدة من انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية واسعة تهدد مصالحها الاستراتيجية وقواعدها العسكرية المنتشرة فيه ، فضلاً عن انعكاساتها على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية واستقرار النظام المالي الدولي .
فالولايات المتحدة ، رغم استمرار موقفها المناهض لحق شعبنا في حريته واستقلاله الوطني ، واعتبارها إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً لإعتبارات عدة كنت أشرت لها بمقالات سابقة ، تنظر في الوقت ذاته إلى الاستقرار الإقليمي ضمن مفهومها ، باعتباره جزءاً من منظومة مصالحها الأوسع . ومن هذا المنطلق ، قد تتدخل لضبط سلوك حلفائها أو خصومها عندما ترى أن التصعيد قد يخرج عن السيطرة ويهدد توازنات النظام الإقليمي والدولي وخاصة محاولاتها لاستدامة هيمنتها واستراتيجيات أمنها .
وفي السياق ذاته ، فإن تباين سلوك إسرائيل بين استمرار عمليات العدوان في غزة ولبنان ، وعدم الذهاب إلى مواجهة واسعة مع إيران ، قد يعكس حدود القوة العسكرية في البيئة الراهنة ، وتعقيد حسابات الردع ، إضافة إلى الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية المتصلة بالانقسام السياسي وكلفة الحروب المتواصلة وصعوبة تحقيق حسم استراتيجي مستقر .
وفي المقابل ، تبدو واشنطن أكثر ميلاً اليوم إلى إدارة الأزمات بدل إعادة تشكيل المنطقة عبر تدخلات حاسمة أو ترتيبات مفروضة . ويتسق مع ذلك ما يُتداول من حديث عن مسارات تفاوض غير مباشر أو تفاهمات أولية بين الولايات المتحدة وإيران ، بما يعكس توجهاً متزايداً نحو احتواء التوترات عبر أدوات دبلوماسية مرحلية ضمن منطق إدارة الصراعات لا حسمها .
أما على المستوى الإقليمي والدولي الأوسع ، فيبدو أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عما عرفته خلال العقود الماضية ، في ظل مجموعة من التحولات المتداخلة ، أبرزها :
-- تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج سياسية منفردة كما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة .
-- صعود قوى إقليمية فاعلة مثل إيران وتركيا بأدوار متفاوتة .
-- تنامي دور روسيا والصين في الشرق الأوسط ضمن تنافس دولي متصاعد .
-- استمرار الحرب على غزة وما كشفته من حدود القوة العسكرية في فرض حلول سياسية نهائية .
-- تصاعد تأثير القوى والحركات غير الحكومية في معادلات الصراع .
-- ميل القوى الدولية والإقليمية إلى تجنب حرب شاملة مفتوحة .
هذه التحولات لا تعني انتقالاً حاسماً في موازين القوى ، بقدر ما تشير إلى حالة من “التوازن القلق” الذي تتراجع فيه قدرة أي طرف على فرض إرادته الكاملة . حتى القوى التقليدية الكبرى وإسرائيل كدولة توسعية ، باتت تواجه بيئة أكثر تعقيداً تحد من قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة تخدم رؤيتها .
وتؤكد التجارب الأخيرة في غزة ولبنان ، وكذلك في المواجهات مع إيران ، أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنتاج تسويات سياسية دائمة ، إذ تتسع الفجوة بين القدرة على استخدام القوة وبين القدرة على تحويلها إلى مكاسب استراتيجية مستقرة .
وفي هذا السياق ، تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بإدارة الأزمات ومنع انفجارها من سعيها إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي .
ومن زاوية أخرى ، فإن هذا التحول ينعكس مباشرة على القضية الفلسطينية . فمن جهة ، قد يفتح المجال أمام تعددية أكبر في المواقف الدولية ويقلل من احتكار الولايات المتحدة لمسار التسوية المفترضة . ومن جهة أخرى ، قد يدفع بعض القوى إلى تبني مقاربات تقوم على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه ، عبر ترتيبات أمنية أو إغاثية أو انتقالية طويلة الأمد .
وهنا تكمن الإشكالية المركزية ، إذ تبقى القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني قائمة على إنهاء الأحتلال أولاً وتجسيد الحقوق غير القابلة للتصرف ، وليس مجرد ملف إداري أو أمني او اقتصادي قابل للإدارة طويلة الأمد . وفي ظل غياب حل سياسي جذري ، قد تتحول محاولات الأحتواء إلى شكل من أشكال تكريس الوضع القائم .
غير أن أي تحول دولي ، مهما كان حجمه ، لن يلغي الحاجة إلى ارادة سياسية ورؤية فلسطينية موحدة ومشروع وطني تحرري واضح قادر على استثمار المتغيرات الدولية والإقليمية . فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى لا تمنح نتائجها تلقائياً ، بل تتوقف على قدرة الشعوب على تحويلها إلى فرص سياسية .
وفي المحصلة ، فإننا لسنا أمام انتقال حاسم في موازين القوى بقدر ما نحن أمام مرحلة انتقالية معقدة ، تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على الحسم وقدرات اسرائيل على تفوق الردع ، وتتقدم فيها سياسات إدارة الأزمات والتوازنات .
ويبقى التحدي الأهم فلسطينياً هو الانتقال من موقع المتلقي للتغيرات إلى موقع الفاعل القادر على توظيفها وتغييرها لا مجرد القبول بها والتكيف معها كجزء من مهام التحرر الوطني ، بما يخدم إنهاء الأحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية ، وفي مقدمتها حق تقرير المصير .



