""إضرابٌ يتكرر كل عام"" هل أصبحت النقابات المهنية جرس الإنذار الأخير لانهيار المالية العامة الفلسطينية؟
المؤشر 12-05-2026
بقلم: إياد مصطفى (باحث اقتصادي).
في كل عام تقريبًا، يتكرر المشهد ذاته في فلسطين: إضرابات واعتصامات يقودها الأطباء والمهندسون والمعلمون والعاملون في المهن الصحية، احتجاجًا على تأخر الرواتب أو عدم صرف العلاوات المستحقة أو تجميد الاتفاقيات النقابية. وبينما تتعامل الحكومة الفلسطينية مع هذه الإضرابات بوصفها أزمات مؤقتة، يرى اقتصاديون أن تكرارها السنوي يعكس أزمة مالية وهيكلية عميقة تعاني منها المالية العامة الفلسطينية، باتت تهدد استقرار القطاع العام والخدمات الأساسية معًا. فالاحتجاجات لم تعد مجرد مطالب فئوية، بل تحولت إلى مؤشر اقتصادي خطير يكشف اتساع فجوة العجز المالي، وتراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه عشرات آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين، تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن القطاع الحكومي الفلسطيني يُعد من أكبر المشغلين في الاقتصاد الفلسطيني، حيث يعتمد عليه مئات آلاف المواطنين بشكل مباشر وغير مباشر كمصدر دخل أساسي. وتُظهر البيانات أن عدد العاملين في القطاع العام المدني والعسكري يتجاوز 210 آلاف موظف، يشكل موظفو التعليم والصحة والأجهزة الأمنية النسبة الأكبر منهم. ويضم القطاع الصحي الحكومي آلاف الأطباء والممرضين والفنيين والعاملين في المهن الصحية المختلفة، فيما يعمل آلاف المهندسين في الوزارات والهيئات الحكومية والبلديات والمؤسسات العامة، إلى جانب آلاف المحامين العاملين في القضاء والنيابة العامة والدوائر القانونية الحكومية. ورغم أن هذه القطاعات تُشكل العمود الفقري للخدمات العامة، فإنها أصبحت الأكثر تعرضًا لأزمة الرواتب والتأخير المالي، خاصة منذ تفاقم الأزمة المالية الفلسطينية عقب الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي. أزمة رواتب مزمنة خلال السنوات الأخيرة، اعتمدت الحكومة الفلسطينية سياسة “صرف الرواتب بنسبة معينة”، حيث تراوحت نسب الصرف بين 70% و60% و50% في كثير من الأشهر، وكان آخرها 2000 شيقل لجميع الموظفين على اختلاف مسمياتهم الوظيفية، مع تأجيل صرف المستحقات المتراكمة إلى إشعار آخر. وتُظهر المؤشرات المالية أن فاتورة الرواتب والأجور تستنزف ما يزيد على 50% من إجمالي الإنفاق الحكومي الجاري، الأمر الذي يجعل أي تراجع في الإيرادات أو احتجاز لأموال المقاصة ينعكس مباشرة على رواتب الموظفين. كما تواجه الحكومة التزامات مالية مرتفعة تجاه التقاعد، والخدمات الصحية، وفوائد الديون الداخلية والخارجية. ويرى خبراء اقتصاد أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بنقص السيولة، بل بخلل هيكلي في الاقتصاد الفلسطيني نفسه، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية والتحويلات الضريبية الإسرائيلية، في ظل ضعف القاعدة الإنتاجية وغياب السيادة على الموارد والمعابر.
لماذا تتكرر الإضرابات؟
تكرار الإضرابات النقابية سنويًا يعكس، بحسب مراقبين، فقدان الثقة بين النقابات والحكومة، خاصة مع تراكم الاتفاقيات غير المنفذة. فالأطباء يطالبون بعلاوات طبيعة العمل وتحسين بيئة القطاع الصحي، والمهندسون يطالبون بتطبيق أنظمة مهنية عادلة، فيما يشتكي العاملون في المهن الصحية من تدني الرواتب مقارنة بحجم الضغط المهني، بينما يحتج المحامون على أوضاع القضاء والرسوم والإجراءات القانونية. لكن العامل المشترك بين جميع هذه النقابات يتمثل في العجز المالي الحكومي، الذي أصبح العنوان الأبرز لكل جولة احتجاج جديدة.
القطاع العام بين التقشف والانفجار الاجتماعي اقتصاديًا
تخشى الحكومة الفلسطينية من أن تؤدي أي زيادة كبيرة في الرواتب والعلاوات إلى انفجار العجز المالي بصورة أكبر، خاصة في ظل التباطؤ الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وتشير بيانات الإحصاء الفلسطيني إلى أن معدلات البطالة في الضفة الغربية بلغت نحو 28.7% خلال عام 2025، وسط تباطؤ اقتصادي حاد وتراجع في النشاط التجاري والاستثماري. هذا الواقع يجعل الوظيفة الحكومية الملاذ الأخير لعشرات آلاف الخريجين، ما يزيد الضغط على القطاع العام ويضاعف الأعباء المالية على الخزينة الفلسطينية. في المقابل، يرى مختصون أن استمرار سياسة التقشف وتأجيل الحقوق الوظيفية قد يقود إلى نتائج أخطر أبرزها:
1. تراجع جودة الخدمات الصحية والتعليمية.
2. هجرة الكفاءات الطبية والهندسية إلى الخارج.
3. زيادة الاحتقان الاجتماعي والنقابي.
4. تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
5. تعطل المرافق الحيوية نتيجة الإضرابات المتكررة.
أزمة سياسية بغطاء مالي
المفارقة أن الأزمة المالية الفلسطينية لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى قضية سياسية وسيادية مرتبطة بالتحكم الإسرائيلي بالإيرادات الفلسطينية، خصوصًا أموال المقاصة التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة الفلسطينية. كما أن تراجع الدعم الدولي والعربي خلال السنوات الأخيرة زاد من هشاشة الوضع المالي، ما دفع الحكومة إلى الاقتراض من البنوك المحلية بصورة متزايدة، الأمر الذي رفع مستويات الدين العام وأضعف قدرة الحكومة على المناورة المالية.
هل أصبح الإضراب لغة سنوية؟
في ظل غياب حلول جذرية، يبدو أن الإضرابات النقابية في فلسطين تحولت إلى موسم سنوي يتكرر مع كل أزمة مالية جديدة. وبينما تحاول الحكومة احتواء الغضب عبر الوعود والاتفاقيات المؤجلة، تتزايد المخاوف من أن يتحول الاحتقان المهني إلى أزمة ثقة شاملة تمس استقرار القطاع العام الفلسطيني بأكمله. ويبقى السؤال الأهم هل تستطيع الحكومة الفلسطينية كسر الحلقة المفرغة بين العجز المالي والإضرابات؟ أم أن النقابات ستظل جرس الإنذار الذي يذكّر الفلسطينيين كل عام بأن الأزمة الاقتصادية أصبحت أعمق من مجرد تأخير راتب أو علاوة؟



