الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار.. هل يهز «المحتوى الرديء» الاقتصاد العالمي في 2026؟
المؤشر 5-1-2025 في 2025، اختارت «ميريام-ويبستر» - شركة أميركية لنشر الكتب معروفة بقواميسها الشهيرة- كلمة غير معتادة لتكون كلمة العام هي «سلوب» Slop، في إشارة إلى المحتوى الرقمي منخفض الجودة الذي يُنتج بكثافة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، اختيار يبدو لغوياً للوهلة الأولى، لكنه يحمل إنذاراً اقتصادياً مبكراً.
فمع دخول 2026، لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم، بل حول كلفة هذا التغيير، ومن سيدفع ثمنه.
إيرادات تصعد لكن الفجوة ما زالت واسعة
صحيح أن شركات الذكاء الاصطناعي تشهد نمواً سريعاً في الإيرادات مع ازدياد عدد العملاء، إلا أن هذه العوائد لا تزال بعيدة عن تغطية حجم الاستثمارات الضخمة التي تدفقت إلى القطاع.
في 2025 وحدها، قُدّرت الاستثمارات بنحو 400 مليار دولار، مع توقعات بزيادات إضافية خلال الاثني عشر شهراً التالية.
هنا تظهر المعضلة الأساسية، وهي اقتصاديات الوحدة، أي كلفة خدمة المستخدم الواحد مقارنة بما يدفعه فعلياً، لا تزال غير متوازنة وفقاً لكثير من المشككين.
تكلفة أعلى مع كل جيل تقني
على عكس القطاعات التكنولوجية التقليدية، إذ تنخفض التكاليف مع تطور التكنولوجيا، يبدو أن نماذج اللغة الضخمة تسير في الاتجاه المعاكس.
كل جيل جديد يتطلب بيانات أكثر، وطاقة أعلى، وبنية تحتية أعقد، إضافة إلى خبراء برواتب مرتفعة.
أصبحت مراكز البيانات العملاقة التي تشغّل هذه النماذج استثمارات بحد ذاتها، وغالباً ما تُموّل بالديون، على أمل إيرادات مستقبلية لم تتحقق بعد.
في 2025، أظهرت تحليلات مالية أن صفقات تمويل مراكز البيانات وحدها بلغت نحو 178.5 مليار دولار، في أجواء أشبه بحمى الذهب، مع دخول لاعبين جدد يفتقر بعضهم إلى الخبرة التشغيلية.
المفارقة أن الرقائق المتقدمة التي تعتمد عليها هذه المراكز، خصوصاً رقائق «إنفيديا»، لها عمر تقني محدود، قد يكون أقصر من آجال القروض التي موّلت شراءها.
هندسة مالية تذكّر بفقاعات سابقة
إلى جانب الديون، بدأت تظهر ملامح هندسة مالية معقدة، تشمل ترتيبات تمويل دائرية وصفقات عالية المخاطر، وهي مؤشرات تقليدية على تكوّن فقاعات.
الرهان الأساسي هنا يقوم على سرديات كبرى، وهي الذكاء الاصطناعي كـ«ذكاء فائق»، أو كبديل للعلاقات البشرية، أو كقوة قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بالكامل
بين الوعود والواقع العملي
في الواقع، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي حلّ محل بعض الوظائف، خصوصاً في الكتابة والتسويق والبرمجة.
لكن كثيراً من الشهادات تشير إلى أن المخرجات غالباً ما تكون باهتة أو مليئة بالأخطاء، بل وخطيرة أحياناً عند استخدامها في مهام حساسة.
حذّرت محاكم من الاعتماد غير المنضبط على أدوات الذكاء الاصطناعي بعد الاستشهاد بأحكام قضائية مختلقة، وأجهزة أمنية اكتشفت أخطاء فادحة في أدوات تفريغ آلي.
إلى جانب هذه الحوادث، هناك كلفة أقل وضوحاً لكنها أوسع أثراً، وهي طبقة هائلة من المحتوى الرديء تغمر الفضاء الرقمي، تجعل التمييز بين الصحيح والزائف أكثر صعوبة، وتفرض عبئاً غير مباشر على الاقتصاد والمجتمع.
مكاسب إنتاجية.. لكن هل تكفي؟
عند النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة، لا كمعجزة، تتضح الصورة أكثر. يمكن لهذه التقنيات أن ترفع الإنتاجية في مجالات محددة، لكنها قد لا تكون كافية لتبرير التقييمات المرتفعة الحالية وسيل الاستثمارات المتدفقة، أيُّ إعادة تقييم جادة لهذا الواقع قد تهز الأسواق المالية بعنف.
الأسواق في مرمى التصحيح
وفقاً لمؤسسات رقابية دولية، باتت أسهم التكنولوجيا الكبرى تمثل نحو 35% من مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، مقارنة بـ20% قبل ثلاث سنوات فقط.
أي تصحيح حاد في هذه الأسهم لن يبقى محصوراً في وادي السيليكون، بل سيمتد أثره إلى المستثمرين الأفراد، والمصدّرين الآسيويين، والمؤسسات المالية التي موّلت هذا التوسع.
في سيناريو تصحيح عالمي، قد تنخفض أسعار الأسهم بنحو 35% خلال عام واحد، ما قد يقتطع ما يقارب 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الاقتصادات الكبرى، ويضغط على المالية العامة بعشرات المليارات.
قد يبدو سقوط محتمل لأسهم التكنولوجيا العملاقة خبراً ساراً لبعضهم، لكنه في الواقع رهان جماعي، الاقتصاد العالمي بات متشابكاً مع هذه الصناعة، وأي هزة كبيرة ستطول الجميع.
في 2026، قد لا يكون التحدي في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في كيفية إدارة توقعاته، وكلفته، وحدوده، قبل أن تتحول «محتويات الرداءة» من مشكلة رقمية إلى أزمة اقتصادية أوسع.



