ترجمات

التعامل مع إيران سياسياً ودبلوماسياً وليس عسكرياً

المؤشر 10-01-2024    يهدد العدوان الإسرائيلي المستمر في غزة، والهجمات الأميركية في العراق وسوريا واليمن، كل علامات الاستقرار السياسي التي حدثت في المنطقة على مدى السنوات العديدة الماضية.

يكتب ملفين غودمان في موقع “counter punch” مقالاً يتحدّث فيه عن الوجود الأميركي في المنطقة، وضرورة إنهاء هذا الوجود وخصوصاً في سوريا والعراق، وانتهاج أسلوب الدبلوماسية مع إيران، بدلاً من الرسائل العسكرية التي تهدّد بتفجير المنطقة.

فيما يلي نصّ المقال منقولاً إلى العربية:

يجمع اليمين واليسار الأميركي، على أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع إيران هي القوة العسكرية. ويعتقد المحافظون “الصقور” في مجلسي الشيوخ والنواب أن استهداف إيران، وليس حلفائها فقط ضرورة قصوى. ويسعى السناتور الجمهوري ليندسي غراهام للعدوان المباشر على الجمهورية الإسلامية. وتعتقد مجلة “الإيكونوميست” الأميركية المحافظة، أنه يتوجب تشكيل تحالف سياسي مع مصر والسعودية ودول الخليج لعزل إيران.

ويفضّل الكتّاب الصحافيون مثل توماس فريدمان من صحيفة “نيويورك تايمز”، وديفيد أغناطيوس من صحيفة “واشنطن بوست”، ردع إيران عسكرياً، إضافة إلى الانتقام “القوي” من حلفائها. وكلاهما يدعم بشكل كامل الهجمات العسكرية الأميركية التي تجري الآن في العراق وسوريا واليمن. حتى أن أغناطيوس ينسب الفضل إلى نفسه حين فرضت إدارة بايدن مؤخراً عقوبات على 4 مستوطنين إسرائيليين عنيفين في الضفة الغربية باعتبارها “خطوة قوية”، ومن شأنها تعزيز مصداقية الولايات المتحدة كوسيط سلام لقيام دولة فلسطينية. وقد لاقت هذه “الخطوة المزعومة” استحساناً في جميع أنحاء العالم العربي.

يثير الهجوم الأميركي على حلفاء محور المقاومة في العراق وسوريا واليمن أسئلة خطيرة. فقد قيل لنا إن القوات الأميركية موجودة في العراق وسوريا لمحاربة جماعة “داعش”، التي يصادف أنها عدو رئيسي لإيران. وفي الشهر الماضي، حذرت الولايات المتحدة طهران من هجوم “داعش” في إيران الذي أسفر عن استشهاد ما يقرب من 100 ضحية. وتشير هذه الحقيقة إلى أن الولايات المتحدة وإيران لديهما شيء مشترك في المنطقة، على الأقل فيما يتعلق بتهديد تنظيم “داعش”، وأنه ينبغي عليهما المشاركة في مفاوضات ثنائية مباشرة أو عبر القنوات الخلفية، وقبل ذلك، يجب على الولايات الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مؤثرة، ومن شأن ذلك أن يزيل أكبر عقبة أمام المحادثات بين الطرفين.

يجب على الولايات المتحدة أيضاً، إعادة النظر في نشر قواتها في الشرق الأوسط، خاصة وأنها معرّضة لهجمات قوى المقاومة في المنطقة. وعلى أقل تقدير، يجب سحب كل القوات العسكرية من كل من العراق وسوريا، كون الولايات المتحدة لا تستطيع ردع الهجمات على هذه المنشآت، وتفرض على قوات كبيرة حماية هذه الجيوب الصغيرة.

ولم يكن من الحكمة أن يتجاهل وزير الخارجية أنتوني بلينكن النهج الدبلوماسي، بمقابل تمسّكه بخطاب التهديد والوعيد بهجمات عسكرية ستكون “متعددة المستويات” وعلى مراحل، وتستمرّ لوقت مفتوح. لا ينبغي أن تأتي هذه اللغة من دبلوماسي بارز في البلاد، سطا على دور وزير الدفاع لويد أوستن. كان من واجب وزارة الخارجية الأميركية السعي لوقف إطلاق النار في عدوان “إسرائيل” على غزة، خاصة في ضوء حقيقة أن “جيش” الاحتلال الإسرائيلي قتل أكثر من 11,500 طفل حتى الآن في قطاع غزة المحاصر. حتى التحذيرات الصادرة عن محكمة العدل الدولية لم تغيّر من (التكتيك) الوحشي لـ “الجيش” الإسرائيلي شيئاً.

وبينما تحافظ الولايات المتحدة على تشويه سمعة إيران، أكثرها فجاجة كانت خلال إدارة دونالد ترامب، تسعى دول الخليج إلى التقارب مع طهران، مما يجعل من الولايات المتحدة كمن يرى الأمور من الخارج، في حين نجحت الدبلوماسية الصينية بالتوسّط في الاتفاق السعودي الإيراني الذي وقع في العام الماضي، وأدى إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كذلك كانت هناك سلسلة من الإجراءات من قبل دول الخليج لتحسين العلاقات مع إيران. وفي عام 2022، أعادت أبو ظبي العلاقات مع طهران. إذا تمكّن هؤلاء الخصوم السابقون لإيران من بدء حوار، فربما ينبغي أن تكون الولايات المتحدة قادرة على القيام بذلك أيضاً.

يهدّد العدوان الإسرائيلي المستمر في غزة، والهجمات الأميركية في العراق وسوريا واليمن، كلّ علامات الاستقرار السياسي التي حدثت في المنطقة على مدى السنوات العديدة الماضية. ابتداء من عام 2020، وكانت هناك علامات على تسويات سياسية واتفاقات واسعة في المنطقة. وفي عام 2021، أنهت مصر والسعودية والإمارات والبحرين حصارها الاقتصادي على قطر. كذلك عادت سوريا إلى جامعة الدول العربية وحضر الرئيس بشار الأسد القمة العربية الأخيرة في الرياض. كذلك، تصالحت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مع تركيا، وانتهى التجميد الذي بدأ في عام 2018 عندما قتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي بشكل وحشي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

ويذكر، أن دول الخليج التي تقيم علاقات مع “تل أبيب” لم تراجع علاقاتها معها خلال العدوان الوحشي المستمر على غزة بشكل مفاجئ للإسرائيليين قبل أن يكون للفلسطينيين والعرب.

لا شك، أن الحرب الإسرائيلية على غزة والهجمات العسكرية الأميركية الحالية، ستخلق المزيد من عدم الاستقرار السياسي في المنطقة. ستتعرّض الولايات المتحدة لانتقادات متزايدة لتزويدها “إسرائيل” بالأسلحة الفتاكة. وتوفير غطاء دبلوماسي لها في الأمم المتحدة، وإظهار عدم الاهتمام بمصير 2.2 مليون من سكان غزة الفلسطينيين.

لا تريد معظم الدول العربية التصعيد الأميركي في المنطقة، وبالتأكيد لا تريد حرباً أوسع مع إيران. ويبدو أن وسائل الإعلام الرئيسية غافلة بشكل خاص عن الفخ الاستراتيجي الذي خلقته الولايات المتحدة لنفسها في الشرق الأوسط بدعمها للنزعة العسكرية الإسرائيلية المتوحشة.

يعتقد توماس فريدمان من صحيفة “نيويورك تايمز” أن إدارة بايدن على وشك إعلان مبدأ بايدن للمنطقة، الذي من شأنه أن يجد “إعادة تنظيم استراتيجية” من شأنها أن “تلتفّ حول موقف الولايات المتحدة من إيران والدولة الفلسطينية والمملكة العربية السعودية”.

 

مع ذلك، تشير الرحلات الخمس الفاشلة لوزير الخارجية بلينكن إلى الشرق الأوسط إلى أنه لا توجد “عقيدة بايدن”، وأن العرب لا يستمعون حتى إلى الإشارات التي ترسلها إدارة البيت الأبيض.

يجادل فريدمان بأفكار أقرب إلى الأمنيات بأن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون “متسقة مع الأمن الإسرائيلي”، الأمر الذي لن يلبّي مطالب السعوديين وجميع العرب الآخرين.

وعلى أي حال، فإن الحكومة الإسرائيلية تعارض حل الدولتين تحت أي ظرف من الظروف. ويعتقد فريدمان أيضاً أنه يمكن إقناع زعيم حماس يحيى السنوار بمغادرة غزة إلى قطر، تماماً كما غادر ياسر عرفات لبنان في عام 1982 إلى تونس.

إن استمرار استخدام “إسرائيل” والولايات المتحدة للقوة سيخلق المزيد من عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها. ويفتح الأبواب في التأثير الدبلوماسي والسياسي لروسيا والصين، ويخلق منطقة أوسع من الصراع والأزمات. فالولايات المتحدة لم تفهم بعد أن الغزو الكارثي والمضلل للعراق قبل عقدين من الزمن من قبل إدارة بوش فتح الباب أمام كل ما حدث من متغيّرات على صعيد تبدّلات بموازين القوى فرضتها الظروف والمصالح الاستراتيجية لكل دول المنطقة.

 

إن عمليات الانتشار الأميركية المتواضعة في العراق وسوريا صغيرة جداً لتحدّي إيران أو مواجهتها، ولكنها كبيرة بما يكفي لتكون بمثابة بطة جالسة للتصدّي لهجمات قوى المقاومة. يجب إنهاء عمليات الانتشار هذه قبل مقتل المزيد من الأميركيين، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من القصف الأميركي. تمتلك الولايات المتحدة بالفعل أكثر من قوة عسكرية كافية في المنطقة في القواعد الأميركية الضخمة في البحرين وقطر، والتي يجب أن تكون قادرة على التعامل مع أي تحدٍ عسكري محلي. حقيقة أن قاذفات استراتيجية أميركية حلّقت في رحلة ذهاباً وإياباً لمسافة 12 ألف ميل من قواعد في تكساس لاستهداف اليمن، وهي واحدة من الحالات القليلة في العالم، بدت غير عقلانية، بشكل خاص إذا كانت الخطوة لـ “تخويف” إيران.

وبدلاً من محاولة بناء تحالف عربي ضد إيران، ينبغي على الولايات المتحدة أن تبحث عن طرق لإشراك إيران سياسياً ودبلوماسياً. وقد وفّر الاتفاق النووي مع طهران، انفتاحاً دبلوماسياً أدى إلى إيماءات تصالحية من جانب إيران… ولقد حان الوقت للحد من الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي وعدت به إدارة أوباما في عام 2011، والتوجّه نحو استخدام أوراق الدبلوماسية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى