الكوبالت.. معدن صغير يشعل سباق الطاقة النظيفة ويكشف الوجه المظلم للتحول الأخضر
المؤشر 08-02-2026 بينما يسابق العالم الزمن نحو الطاقة النظيفة والتقليل من الانبعاثات، يبرز معدن واحد في قلب هذه الثورة: الكوبالت، معدن صغير لكنه أساسي، من بطاريات السيارات الكهربائية إلى توربينات الرياح، يدعم الابتكار ويسرع التحول الأخضر، لكن وراء هذه الفرص الاقتصادية، يكشف الكوبالت عن وجه آخر أكثر قتامة، مرتبط بالتحديات البيئية والاجتماعية وأخلاقيات التعدين، ما يجعله حجر زاوية لا يمكن تجاهله في مستقبل الطاقة العالمية.
غير أن ارتفاع قيمة هذا المعدن كشف وجهاً آخر للتحول الطاقي، إذ تختلط الفرص الاقتصادية بتحديات بيئية واجتماعية معقدة.
ما الكوبالت ولماذا يهم؟
الكوبالت عنصر كيميائي طبيعي رمزه Co، يتميز بلون فضي مائل إلى الأزرق وخواص مغناطيسية عالية.
اكتشفه الكيميائي السويدي جورج براندت عام 1739، وغالباً ما يُستخرج كمنتج ثانوي عند تعدين النحاس أو النيكل أو الحديد.
أهميته لا تنبع من ندرته، بل من دوره المحوري في بطاريات الليثيوم أيون التي تغذي الثورة الرقمية والتحول نحو النقل الكهربائي.
استخدامات واسعة من الطاقة إلى الطب
يدخل الكوبالت في صناعات متعددة، من الإلكترونيات والبطاريات إلى سبائك الفولاذ والمعادن المقاومة للحرارة والتآكل.
كما يُعد مكوناً أساسياً في أقوى المغناطيسات الدائمة المستخدمة في توربينات الرياح، فضلاً عن استخدامه في الأجهزة الطبية والهندسة الكيميائية وحتى الفنون، إذ يمنح الأصباغ الزرقاء لونها العميق.
أين يتركز الكوبالت عالمياً؟
يأتي أكثر من نصف إمدادات الكوبالت العالمية من جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تملك نحو 55% من الموارد المعروفة، بينما تتوزع بقية الاحتياطيات بين روسيا وكندا وأستراليا والفلبين وكوبا.
ووفقاً لمعهد الكوبالت، فإن 98% من الإنتاج العالمي يُستخرج كمنتج جانبي لتعدين النحاس والنيكل، مع وجود رواسب ضخمة في قاع البحار ما زالت قيد البحث.
الطلب يقفز مع السيارات الكهربائية
دفعت الابتكارات في صناعة البطاريات، خاصة للسيارات الكهربائية، الطلب على الكوبالت إلى الارتفاع الحاد.
ومع توسع سياسات خفض الانبعاثات وتشجيع القيادة النظيفة، يُتوقع أن يتضاعف الطلب بحلول 2030.
انعكس هذا التطور على الأسعار، التي بلغت ذروتها خلال الجائحة عند نحو 53 ألف دولار للطن، وهو أعلى مستوى في عشر سنوات.
الكوبالت كحافز وكعب أخيل للتحول الأخضر
في الصناعات النفطية والكيميائية، يُستخدم الكوبالت كمحفز لإزالة الكبريت من الوقود وتقليل الانبعاثات، كما يسهم في جعل بعض العمليات الصناعية أكثر كفاءة وأقل إطلاقاً للغازات الدفيئة.
لكنه في الوقت نفسه يطرح معضلة حقيقية، إذ إن تعدينه، خصوصاً في الكونغو الديمقراطية، يرتبط بمخاطر بيئية وصحية جسيمة.
التعدين الحرفي.. إنتاج مرتفع ومخاطر أكبر
يأتي جزء كبير من إنتاج الكوبالت في الكونغو من التعدين الحرفي، إذ يعمل عمال باستخدام أدوات بدائية لاستخراج خامات عالية التركيز.
يرتبط هذا النمط، رغم مساهمته الكبيرة في الإمدادات العالمية، بحوادث عمل، والتعرض لمواد سامة، وحتى لمستويات مرتفعة من الإشعاع بسبب تداخل خامات الكوبالت مع اليورانيوم في بعض المناطق.
سلاسل إمداد هشة وأسئلة أخلاقية
يجعل الاعتماد الكبير على الكونغو الديمقراطية، التي تعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية، سوق الكوبالت عرضة للمخاطر.
ولهذا حذرت تقارير دولية، بينها ورقة بيضاء للمنتدى الاقتصادي العالمي في 2020، من أن التحول الأخضر قد يعمق اختلالات سلاسل الإمداد إذا لم تُعالج قضايا السلامة والعدالة في التعدين.
هل يمكن الاستغناء عن الكوبالت؟
مع تصاعد هذه التحديات، تتجه بعض الشركات إلى تطوير بطاريات خالية من الكوبالت، تُروَّج باعتبارها أكثر استدامة، غير أن الطلب الحالي يشير إلى أن التعدين الصناعي والحرفي سيبقى جزءاً من المشهد في المستقبل المنظور.
يجسد الكوبالت مفارقة التحول الطاقي، وهي أنه معدن يدعم خفض الانبعاثات وتسريع الابتكار، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على كلفة بيئية وإنسانية لا يمكن تجاهلها، والرهان الحقيقي ليس فقط على تأمين الإمدادات، بل على جعل سلاسل القيمة أكثر أماناً وعدالة.
جُمعت المعلومات والبيانات لهذا التقرير من ذا أساي، ياهو فاينانس، إيرث دوت أورغ.



