معبر رفح: الدور المصري في مواجهة التهجير وإعادة هندسة الواقع في غزة
المؤشر 31-1-2026
د. عدنان نعيم
لم تعد أزمة معبر رفح مسألة إجرائية مرتبطة بالترتيبات الأمنية أو الاعتبارات الإنسانية، بل تحوّلت إلى ساحة صراع استراتيجي مفتوحة على مستقبل قطاع غزة، ومعنى السيادة، وحدود البقاء الفلسطيني على أرضه. فالمعبر اليوم ليس مجرد بوابة حدودية، بل أداة صراع بين مشروعين: مشروع إسرائيلي يسعى إلى تفريغ غزة ديمغرافيًا، وموقف مصري يعمل على إحباط التهجير ومنع تحويله إلى واقع دائم.
وفق التفاهمات الأولية، كان من المفترض فتح معبر رفح في المرحلة الأولى من الاتفاق، غير أن إسرائيل تعمدت تعطيل التنفيذ، واشترطت أولًا تسلّم جميع الأسرى والجثامين. وبعد تحقيق هذا الشرط، انتقلت إلى سياسة الشروط المتحركة، رافضة إدخال المساعدات أو الانتقال إلى المرحلة الثانية، وربطت ذلك بنزع سلاح المقاومة، مع التلويح بتدخل عسكري أو دولي مباشر، في موقف حظي بدعم أمريكي واضح. هذا السلوك لا يعكس خلافًا تقنيًا، بل نهجًا إسرائيليًا قائمًا على إعادة تعريف الاتفاقات لا الالتزام بها.
يتمحور جوهر الخلاف حول وظيفة معبر رفح: هل هو معبر إنساني مؤقت أم أداة لإعادة هندسة الواقع السكاني في غزة؟ تصر إسرائيل على أن يكون عدد الخارجين من القطاع عبر مصر أكبر بكثير من عدد العائدين، في حين تتمسك مصر بمبدأ التوازن بين الدخول والخروج، إدراكًا منها أن أي اختلال في هذه المعادلة يعني عمليًا تهجيرًا تدريجيًا مقنّعًا. ففتح مسار الخروج دون ضمان العودة يحوّل الحالات الإنسانية إلى قناة تفريغ سكاني طويلة الأمد.
وتتفاقم خطورة هذا التوجه مع رفض إسرائيل عودة الأطفال الفلسطينيين الذين وُلدوا في مصر بعد السابع من أكتوبر إلى غزة مع ذويهم، وقد تجاوز عددهم عشرين ألف طفل، إلى جانب أكثر من عشرين ألف مريض وجريح يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع. يضاف إلى ذلك واقع اجتماعي كارثي داخل غزة، حيث يوجد نحو أربعين ألف طفل فقدوا أحد الوالدين، وعشرات الآلاف من الأسر المفككة. في هذا السياق، ترى القاهرة أن إدارة الخروج دون ضمان العودة لا تمثل استجابة إنسانية، بل مشروع هندسة ديمغرافية مؤجلة.
الأخطر من ذلك هو الطرح الإسرائيلي المتعلق بإنشاء حاجز تفتيش إسرائيلي مباشر للعائدين من مصر إلى غزة، مع منح إسرائيل حق رفض دخول أي شخص وإعادته إلى الأراضي المصرية. هذا المقترح، من المنظور المصري، يعيد إنتاج نموذج المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية كما في الضفة الغربية، ويحوّل رفح إلى أداة هيمنة، بما يعني تقويض السيادة المصرية وشرعنة تهجير صامت ومنظم.
كما تتحفظ مصر بعمق على الترويج الإسرائيلي لما يسمى “رفح 2”، معتبرة أن الهدف الحقيقي ليس تنظيم الحركة، بل إلغاء معبر رفح سياسيًا، وإعادة هندسة التفاهمات السابقة وفق رؤية تستلهم خطط التهجير القديمة بصيغ جديدة، وتخدم استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تقوم على تفريغ غزة دون تحمّل كلفة الحرب المباشرة.
وتدرك القاهرة حساسية التوقيت السياسي، في ظل حكومة يمين إسرائيلي متطرف مقبلة على استحقاقات داخلية، واحتمالات تصعيد إقليمي أوسع، ما قد يدفع إسرائيل إلى استغلال الفوضى الإقليمية لفرض واقع يسمح بالخروج من غزة دون العودة.
رغم الدعم الأمريكي شبه المطلق لإسرائيل، تتحرك مصر من موقع الدولة الإقليمية المسؤولة، مدفوعة باعتبارات الأمن القومي والاستقرار الإقليمي. فالقاهرة، التي واجهت لعقود محاولات توطين الفلسطينيين في سيناء، ترفض اليوم أي مسار يؤدي إلى النتيجة ذاتها بصيغة ناعمة. ومن هنا، تكثف تحركاتها الدبلوماسية والإقليمية والدولية، ولا سيما مع واشنطن، لمنع تثبيت التهجير كأمر واقع.
خلاصة القول، إن معبر رفح بات اختبارًا لإرادة الإقليم وحدود الهيمنة الإسرائيلية. وفي هذا الاختبار، يبرز الدور المصري كعامل توازن حاسم، لا يدير الأزمة فحسب، بل يمنع تحويلها إلى واقع دائم. فالدفاع عن رفح هو دفاع عن غزة، وعن استقرار المنطقة بأكملها.



