مفهوم الأمن القومي “الجديد” بعد 7 أكتوبر… تغيير جذري أم تعزيز للهوية الإسرائيلية؟

مفهوم الأمن القومي “الجديد” بعد 7 أكتوبر… تغيير جذري أم تعزيز للهوية الإسرائيلية؟

المؤشر 13-10-2026   يقف مفهوم الأمن القومي لدولة إسرائيل عند مفترق طرق يتطلب توضيحًا. فمنذ 7 أكتوبر 2023، بات جليًا أن سياسة إسرائيل الأمنية، عمليًا، تُوجّه بمفهوم أمني جديد، وليس بالمفهوم الأمني ​​غير المكتوب الذي تشكّل على مدى عقود. (وهو مفهوم، رغم عيوبه، قاد إسرائيل لتصبح قوة إقليمية مزدهرة. ربما لو طُبّق بشكل صحيح، لكان قد حال دون الفشل الذريع الذي حدث في 7 أكتوبر. لكن لجنة تحقيق رسمية هي من ستُقرر ذلك). لم يُصغ المفهوم الجديد ويُنشر للجمهور، كما أنه لم يُعرّف بشكل مُلزم داخل المؤسسة الأمنية. لكن عمليًا، تُوجّه مبادئها عملية صنع القرار وتُملي السلوك الأمني.

من المهم التمييز بين ثلاثة مفاهيم هرمية: “الهوية الوطنية”، و”المفهوم الأمني”، و”السياسة الأمنية”. يستمد المفهوم الأمني ​​سلطته من الهوية الوطنية للدولة، ودستورها (إن وُجد)، وإرثها التأسيسي. وهو نظام مفاهيمي مستقر نسبيًا، لا يُفترض أن يتغير من حكومة إلى أخرى. أما السياسة الأمنية الوطنية، فهي تابعة للمفهوم الأمني؛ إذ تُمثل تطبيقًا عمليًا له وفقًا لأيديولوجية الحكومة المعنية واعتباراتها السياسية. من هذا التسلسل الهرمي، يُمكن استنتاج أنه، على عكس تغيير السياسة الأمنية، فإن التغيير الجذري في المفهوم الأمني ​​يتعلق بتغيير في الهوية الوطنية للدولة ومكانتها الدولية، وهذا التغيير جدير بالنقاش المعمق.

هذه المقالة منبرٌ للنقاش العام والمهني، لا يهدف إلى مناقشة مفهوم الأمن في سياق الجدل الأمني ​​العسكري، بل إلى تسليط الضوء على تغيير جوهري محتمل، ألا وهو تغيير في الهوية الوطنية لإسرائيل. يهدف هذا إلى إثارة التفكير وتقديم إجابة على سؤال من نحن بعد 7 أكتوبر 2023، من خلال الكشف عن مبادئ السياسة الأمنية الجديدة وطرح أسئلة تهدف إلى إثارة خطاب مفاهيمي وبحثي حول أهمية التغيير الإدراكي العميق الذي تعكسه.

 

مبادئ المفهوم “الجديد” الظاهر للعيان

فيما يلي مبادئ مفهوم الأمن، والتي يمكن فهمها من خلال السياسة المُطبَّقة (تأمل نظري شخصي).

1- أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية: تُعطى الأولوية للهوية اليهودية للدولة على النظام الديمقراطي المُطبَّق فيها. تهدف هذه الأولوية إلى ضمان وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية، حتى لو كان ذلك على حساب تآكل قيمها الديمقراطية. تستند الهوية اليهودية للدولة إلى أساس عرقي وديني وقومي، وتُحافظ عليها مستلهمةً من الروح والتقاليد اليهودية. يُملي هذا المبدأ ضرورة الحفاظ على تفوق الهوية اليهودية على الهويات القومية الأخرى (العربية والإسلامية/المسيحية، على سبيل المثال).

2- السلام كوسيلة لا كغاية: الفرضية الأساسية هي أن أي اتفاق مع العناصر العربية مؤقت ووهمي. لذلك، فإن السعي إليه سيكون عودة إلى خطأ “المفهوم”، الذي يُعتبر عاملاً رئيسياً في كارثة 7 أكتوبر. لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام جوهري في الشرق الأوسط، إذ أن اتفاقيات السلام مجرد اتفاقيات شكلية ومؤقتة، وبالتالي تتطلب مراجعة مستمرة. من هذا المنطلق، لا يُعد السلام غاية في حد ذاته تُحقق الأمن، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى. سياسياً، يُعتبر مفهوم “السلام” مفهوماً ساذجاً يُمثل موقفاً سياسياً يسارياً – “معسكر السلام” – ويتناقض مع مفهوم “الأمن” الذي يُعبر عن موقف سياسي يميني – “معسكر الأمن”.

3- إنكار الوجود المستقل للدول العربية: الفرضية الأساسية هي أن معظم الدول العربية ليست دولاً قومية حقيقية، بل هي مجموعة من القبائل والجماعات تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية. ومن ثم، يُنظر إلى زعزعة استقرارها على أنها عملية طبيعية، تستطيع إسرائيل التعامل معها بشكل أفضل من التعامل مع الدول القومية القوية، بل وتشجيعها.

4- الحرب كحالة أساسية: الحرب ضرورية للأمن القومي، ولا بديل لها في صورة حالة سلام، التي، كما ذُكر، ليست سوى وسيلة وليست غاية. “الهدوء دناءة”، وبالتالي فإن السعي إليه يُعدّ تعبيرًا عن الضعف. من هذا المنطلق، فإن اعتبار الحرب شرًا لا بد منه يجب تجنبه، والسعي الدؤوب نحو التسويات والسلام، هو أصل الخطأ الذي أدى إلى أحداث 7 أكتوبر. الحرب ضرورية، والحرب الوقائية أفضل لأنها تضمن تحقيق إنجاز كبير منذ لحظة اندلاعها. قد تختلف حدة الحرب تبعًا للظروف، لكن وجود إسرائيل كدولة دائمة يُعدّ ميزة للأمن القومي.

5- الاعتماد على الذات والتحرر من التبعية للولايات المتحدة: يعتمد الأمن القومي الإسرائيلي على نفسه فقط، ولا يحتاج إلى دعم قوة عظمى منفردة. العلاقة مع الولايات المتحدة، على الرغم من أهميتها، إلا أنها تقوم على المصالح الذاتية البحتة؛ بل على العكس، فإن الالتزام المفرط بالقيود التي تفرضها الإدارة الأمريكية على إسرائيل أمر خطير، لأن الولايات المتحدة “قوة هابطة”، وبالنظر إلى التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية هناك، فإنها ستتخلى عن إسرائيل قريبًا على أي حال. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة يعرض إسرائيل لتأثير منظومة القيم الأمريكية التقدمية، التي تتعارض مع الطابع اليهودي لإسرائيل. لذا، فإن الانفصال عن الولايات المتحدة أمر لا مفر منه، بل ضروري لاستقلالها وقوة هويتها القومية اليهودية.

6- الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على الدفاع: يُنظر إلى الحرب الاستباقية المفاجئة على أنها السبيل الوحيد لتحقيق النصر، وبالتالي يسبق الهجوم الدفاع. وبافتراض أن إسرائيل لا تستطيع التعامل مع هجوم مفاجئ، ولا تستطيع ضمان إنذار موثوق به، فإن النتيجة الوحيدة هي سياسة المبادرة بالهجمات والحروب الوقائية.

 

7- الدفاع الأمامي: في الحالات التي يتعذر فيها شن هجوم مضاد استباقي، أو عندما يتطلب الأمر وقتًا للتحضير للهجوم، من المهم إنشاء مناطق دفاع أمامي كلما أمكن ذلك. تتيح مناطق الدفاع الأمامي عمقًا في الدفاع ضد الجيوش الإرهابية، التي تُسهم في زعزعة استقرار الدولة المضيفة، مما يُضعفها في علاقتها مع إسرائيل. كما تُتيح هذه المناطق نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن. لا يوجد تناقض بين الدفاع المباشر والمبادرة الهجومية، إذ يُعدّ هذا في الواقع هجومًا متأخرًا، حيث يُشكّل الدفاع المباشر جزءًا منه.

8- استيعاب واقع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باعتباره صراعًا إسرائيليًا عربيًا دائمًا: وفقًا لهذا الرأي، فإن وجود حركة وطنية فلسطينية هو سردية غربية زائفة، نابعة من شعور بالذنب ما بعد الاستعماري. إن وجود الكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل وتجدده الدوري ما هو إلا محاولة عربية أخرى لمحاربة دولة إسرائيل وتدميرها. عمليًا، يُشكّل عمق الصراع مع الفلسطينيين وعدم اعترافهم بإسرائيل كدولة يهودية أساسًا للاعتقاد بانعدام أي حل. ومن هنا تأتي المعارضة المبدئية لأي فصل سياسي أو جغرافي أو أمني بين إسرائيل والكيان الفلسطيني، ولإقامة دولة فلسطينية. ووفقًا لهذا التصور، سيتحقق الأمن من خلال تعميق الاستيطان في جميع أنحاء أراضي الدولة – داخل وخارج “الخط الأخضر” (الذي يُنظر إليه على أنه وهمي). سيتمتع السكان العرب في أرض إسرائيل الذين يختارون البقاء في الدولة اليهودية بحقوق الإقامة والحكم المحلي المستقل.

9- الاستيطان والمواطنون كعنصر أساسي في الأمن: يمثل هذا عودة إلى مبادئ الأمن في “فترة الاستيطان” (الفترة التي سبقت إعلان قيام الدولة، والتي تميزت بتحقيق الأمن من خلال الاستيطان، حيث كانت قوة الحماية لا مركزية وتعتمد على الحماية المحلية من قبل المواطنين المنظمين في أطر تطوعية شبه عسكرية (سرية)). وفي المفهوم الحديث، لا يُنظر إلى الأمن على أنه الدور الحصري لقوات الأمن، بل يُعد المواطنون جزءًا من شبكة الدفاع. ويتم بناء الدفاع من خلال إنشاء مستوطنات ومراكز استيطانية في جميع مناطق الاحتكاك مع السكان العرب، في الضفة الغربية وفي المناطق الأمنية في سوريا ولبنان وقطاع غزة. ويتطلب هذا الانتشار من الجيش الإسرائيلي تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع الأمامي عمليًا، بل ويساهم في زعزعة استقرار الدول العربية “المصطنعة”. يتطلب هذا الانتشار من الجيش الإسرائيلي تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع الأمامي عمليًا، بل ويساهم في زعزعة استقرار الدول العربية “المصطنعة”.

10- أولوية الاستقلال الصناعي والأمني: يتأثر اقتصاد الأمن الإسرائيلي بشدة بسلاسل التوريد الطويلة، ولذلك ينبغي تفضيل الإنتاج الذاتي والاستثمار في قطاع تكنولوجيا الدفاع (الصناعات الأمنية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي) على القطاعات الأخرى. يُعتبر العلم الذي يدعم التكنولوجيا أكثر أهمية، ولكن ينبغي تطويره بشكل مستقل وليس من خلال التعاون في أطر دولية، مثل مبادرة “هورايزون”.

أسئلة جوهرية: المواجهة مع المبادئ الأساسية لمفهوم الأمن الإسرائيلي التقليدي

تجدر الإشارة إلى أن سياق مفهوم الأمن “الجديد” هو الصدمة الوطنية وتجدد الشعور بالتهديد بعد أحداث 7 أكتوبر. تتطلب هذه الصدمة تغييرًا وإعادة صياغة لبعض جوانب المفهوم، ومع ذلك، إذا كانت المبادئ المذكورة أعلاه هي بالفعل المفهوم الجديد، فإن تناقضًا عميقًا وجوهريًا يبرز بينها وبين المبادئ الأساسية لمفهوم الأمن الإسرائيلي التقليدي. لا تكمن أهمية هذه النقطة المحورية في صياغة مفهوم أمني جديد، بل في أنها تُسلط الضوء على تحول جذري في الهوية الوطنية الإسرائيلية، كما تشكلت منذ قيام الدولة.

فيما يلي جوانب التحولات الجوهرية في الهوية، والتي يجب مناقشتها والتأمل في معانيها وتداعياتها.

1- دولة اليهود أم دولة لليهود؟

المبدأ التقليدي: وفقًا لإعلان الاستقلال، عُرّفت دولة إسرائيل بأنها دولة يهودية، ملتزمة بمبادئ الديمقراطية الليبرالية (وإن لم يُذكر هذا المفهوم صراحةً). ستلتزم الدولة بمبادئ “الحرية والعدالة والسلام”؛ إسرائيل دولةٌ يُجسّد يهوديتها إقامة وطن قومي للشعب اليهودي؛ وطابعها الأخلاقي الديمقراطي مُستمدٌ من قيم اليهودية، بما في ذلك المساواة أمام القانون والسعي وراء الأخلاق والعدالة في ضوء رؤية أنبياء إسرائيل. تُملي يهودية الدولة هويتها: “مساواة كاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس”. بعبارة أخرى، ليست دولةً دينيةً تُحكم وفقًا للشريعة اليهودية (الهالاخاه)، التي تهدف إلى خدمة “السيادة اليهودية” على الديانات الأخرى، بل دولةٌ لليهود تُشكّل منارةً للقيم الأخلاقية للعال

سؤالٌ نقدي: ما الأهمية العملية طويلة الأمد لوضع المصادر الدينية، بدلًا من الأبعاد المدنية الديمقراطية، كإطار لتحديد أولويات الأمن؟ هل يُمكن لسياسة تسعى إلى تقليص الحقوق المدنية للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين يُشكّلون نحو خُمس سكانها، أن تُناقض تعريف إسرائيل بأنها “يهودية وديمقراطية”، ودولة “منارة للأمم”، ووجودها جزء من “إصلاح العالم”؟ وما هي الأهمية الدولية لتآكل الهوية الليبرالية العلمانية للدولة، وتآكل قيمة المساواة أمام القانون المُطبّقة فيها؟

2- السلام كمرحلة انتقالية، لا كهدف استراتيجي

المبدأ التقليدي: لطالما عرّفت دولة إسرائيل نفسها بأنها تسعى إلى ترتيبات واتفاقيات سلام. وكما جاء في إعلان الاستقلال، فإنها تمدّ يد السلام وحسن الجوار إلى دول المنطقة، وهي تقوم على “أسس الحرية والعدالة والسلام”. لقد ورد مرارًا وتكرارًا في أقوال مؤسسي إسرائيل، من مختلف الأطياف السياسية، الاعتقاد بأن السلام هو مفتاح الازدهار ومكون أساسي لعلاقاتها الخارجية ومكانتها الدولية، بما يميزها عن الدول العربية ويجعلها فريدة.

سؤال نقدي: ما التكلفة الاستراتيجية والأخلاقية لمفهوم أمني يُعرّف اتفاقيات السلام على أنها “مفهوم” يُشك فيه أساسًا، بدلًا من كونها رصيدًا استراتيجيًا يُمكّن من ازدهار البلاد ويجب الحفاظ عليه؟ ألا يُصبح التعامل مع السلام على أنه أمر مؤقت بطبيعته نبوءة تتحقق ذاتيًا، تُلحق الضرر بأمن إسرائيل على المدى البعيد؟ ما أهمية هذا المفهوم بالنسبة للسياسة الخارجية الإسرائيلية ومكانتها الدولية؟ هذا في ضوء حقيقة أن هذا المفهوم يتعارض مع الأعراف الأساسية للعالم الغربي الليبرالي. وإذا كان هذا هو بالفعل أساس المفهوم الأمني، فكيف ستتعامل إسرائيل مع خطر الهجرة منها، بما في ذلك هجرة العقول على نطاق واسع يُهدد الاقتصاد وقوة المجتمع وتماسكه؟

3- الازدهار “بين الحروب” (دافيد بن غوريون) مقابل الحرب كحالة دائمة

المبدأ التقليدي: تُبنى الدولة في فترات السلام بين الحروب؛ وتُعتبر الحرب حالة استثنائية قصيرة ومؤقتة، تستعيد فيها الدولة ما اكتسبته خلال فترات الهدوء. فترات السلام الطويلة هي التي تُمكّن من البناء الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي الوطني.

سؤال نقدي: ماذا يحدث للمجتمع والاقتصاد والثقافة في الدولة الديمقراطية عندما تُرسّخ فكرة استمرار حالة الحرب كأمر طبيعي، لا كاستثناء مؤقت؟ هل يتوافق هذا الوضع مع قدرة الدولة على التطور والازدهار، كما قيّمها مؤسسوها وتوقعوها؟

4- الردع والإنذار كأساس لإدارة المخاطر مقابل الحرب الوقائية المستمرة

المبدأ التقليدي: كان أحد أركان المفهوم الأمني ​​الإسرائيلي مزيجًا من الردع والإنذار المبكر، كأدوات تُمكّن من إدارة المخاطر في بيئة معادية دون اللجوء إلى استخدام القوة بشكل دائم.

سؤال نقدي: ماذا يحدث لدولة تتخلى عن إمكانية الردع والإنذار ثم الدفاع، وفقًا للمبدأ العسكري الراسخ “حتى لو فوجئنا، فلن نُهزم”؟ ما المعنى العملي للمبادرة الهجومية الدائمة كخيار افتراضي؟ هل من الممكن وضع استراتيجية (أي استراتيجية) تتخلى عن “إدارة المخاطر”؟ وهل يُؤدي غياب إدارة المخاطر إلى جعل إسرائيل (أو أي منظمة) دولة أكثر أمانًا؟ وما هي التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التخلي؟

5- “الجنود قبل المدنيين” وقدسية الحياة المدنية مقابل المواطن بوصفه “الحامي الحقيقي”

المبدأ التقليدي: من المبادئ الأساسية (بعد تأسيس الجيش الإسرائيلي) أن الجنود، لا المدنيين، هم من يتحملون عبء الدفاع في الخطوط الأمامية، إلى جانب الالتزام بقدسية الحياة المدنية والحد من تعرضهم للقتال. يحمي الجيش الإسرائيلي حدود الدولة، فهو يحمي المزارعين الذين يحرثون الأرض حتى آخر خط، وليس المحراث، أو المزارع في الكيبوتس أو الموشاف.

سؤال نقدي: ألا يُعدّ مفهوم وضع المدنيين، بمن فيهم سكان البؤر الاستيطانية والمستوطنات المختلفة، “حماة” في الخطوط الأمامية، قلبًا لترتيب الأولويات المطلوب في دولة ذات سيادة قوية – الذي يضع الجنود قبل المدنيين – ويعرض السكان غير المقاتلين للمخاطر نفسها التي سعت الدولة، من خلال الجيش الإسرائيلي، إلى تجنيبهم إياها؟ ما هو وضع حدود إسرائيل؟ يرجع ذلك إلى أن مفهوم الدولة الدفاعي، بما في ذلك مفهوم الأمن القومي، يُفترض أن يُحدد بحدودها المعترف بها في القانون الدولي والمُثبتة في الاتفاقيات. لذا، ما المعنى الاقتصادي والأمني ​​والدولي للتخلي عن فكرة خط الحدود والتحول نحو فضاءات دفاعية مرنة وغير محددة المعالم؟ ما هو المفهوم الدفاعي المُناسب لهذا الواقع؟

6- الدعم القوي والاعتماد على العالم مقابل رؤية الاستقلال الأمني ​​والاقتصادي الكامل

المبدأ التقليدي: نظرًا لصغر مساحة إسرائيل، وندرة مواردها الطبيعية، واعتمادها الكبير على التجارة العالمية، وشبكات العلوم والتكنولوجيا، فقد كان من المُسلّم به في المؤسسة الدفاعية منذ زمن طويل أن إسرائيل بحاجة إلى دعم قوي. فإسرائيل غير قادرة على الحفاظ على اقتصاد أمني مُكتفٍ ذاتيًا، مُنعزل عن العالم، ودون دعم قوي، فإنها مُعرضة لمخاطر دولية جسيمة.

سؤال نقدي: ما معنى غياب الدعم القوي والعلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة؟ هل تكفي العلاقات القائمة على المصالح والأسس الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة لإسرائيل؟ وكيف يؤثر هذا الوضع على مكانة إسرائيل الإقليمية؟ هل يُعدّ فصل قطاعي العلوم والدفاع الإسرائيليين عن أطر التعاون الدولي خيارًا اقتصاديًا مُجديًا لدولة صغيرة تعتمد على التجارة وتفتقر إلى الموارد كإسرائيل، أم أنه ينطوي على خطر الركود التكنولوجي والعزلة الدبلوماسية، في وقتٍ تزداد فيه أهمية الشراكات الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى؟

الخلاصة

إن مفهوم الأمن “الجديد” المذكور أعلاه، وإن لم يُرسخ في وثيقة رسمية أو يُعتمد عبر إجراءات مُنظمة، هو الذي يُوجّه جوانب رئيسية من السياسة الأمنية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023. ولأنه يعمل كمفهوم غير مكتوب ولكنه مُجسّد وواضح، وليس كسياسة حكومية مُعلنة، فهو ذو تأثير بالغ وأهمية حاسمة، معروف بتعريفه الواضح وتفاصيله وتداعياته المطروحة للنقاش العام. وبهذه الطريقة فقط يُمكن التأكد مما إذا كان هذا تعديلًا ضروريًا للواقع الأمني ​​الحالي والناشئ، أم أنه تعبير عن تغيير جوهري غير مُنضبط في هوية الدولة.