نيويورك تايمز: الرياض أمام خيارات صعبة لاحتواء الحوثيين.. وإنهاء الحرب مع إيران قد يكون المخرج

نيويورك تايمز: الرياض أمام خيارات صعبة لاحتواء الحوثيين.. وإنهاء الحرب مع إيران قد يكون المخرج

المؤشر 13-10-2026   تواجه السعودية خيارات معقدة في التعامل مع التصعيد العسكري مع جماعة الحوثيين في اليمن، وسط ضغوط متزايدة على القيادة السعودية لوقف الهجمات التي تستهدف أراضي المملكة ومنشآتها الحيوية، في وقت تبدو فيه الحلول العسكرية والدبلوماسية محفوفة بالتحديات.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، أعدته فيفيان نيريم وليزا فريدمان، فإن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يواجه اختباراً أمنياً صعباً مع اتساع نطاق الهجمات الحوثية، وما تثيره من مخاوف بشأن أمن المدنيين واستقرار قطاع الطيران وجاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية.

وأشار التقرير إلى أن الهجمات الأخيرة على مطار الرياض أعادت المخاطر الأمنية إلى الواجهة، بعدما تسببت، وفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة، في سقوط قتلى ومئات المصابين وتعليق حركة المطار. ونقل التقرير عن مسؤول خليجي وآخر أميركي أن إحدى الضربات استهدفت صالة ركاب بصاروخ كروز، فيما لم تحدد السلطات السعودية علناً طبيعة الهجوم.

خيارات الرياض بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية

يرى محللون أن التعامل مع الحوثيين لا يوفر للسعودية حلولاً سهلة؛ فالتوصل إلى اتفاق سياسي أصبح أكثر تعقيداً مع تصاعد مطالب الجماعة، بينما لا تبدو هزيمتها عسكرياً مهمة مضمونة، في ضوء خبرتها القتالية وقدرتها على مواصلة الهجمات رغم الضربات التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران والتصعيد في اليمن باعتبارها عاملاً مؤثراً في تحديد مسار المواجهة.

ونقلت الصحيفة عن إف. غريغوري غوس، المتخصص في الشؤون السعودية لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد يمثل المسار الأكثر واقعية أمام الرياض، إذا نجحت واشنطن في دفع طهران إلى استخدام نفوذها لدى الحوثيين لضمان وقف الهجمات ضمن تسوية أوسع.

لكن غوس أشار إلى أن مدى استعداد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاستجابة للمطالب السعودية لا يزال غير واضح.

وتعتمد الرياض، وفق التقرير، على الدعم العسكري الأميركي في مواجهة الحوثيين، بما يشمل المساعدة في تحديد الأهداف والتزود بالوقود جواً. وكان ترامب قد شن حملة عسكرية ضد الجماعة العام الماضي، قبل أن يعلن تحقيق أهدافها، رغم التكلفة المرتفعة للعمليات العسكرية واستهلاك كميات كبيرة من الذخائر.

الرياض لا تستبعد إضعاف الحوثيين قبل التفاوض

في المقابل، ترى ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، أن السعودية قد تتجه إلى محاولة إضعاف الحوثيين عسكرياً قبل الدخول في مفاوضات جديدة.

وبحسب فاروق، فإن القيادة السعودية قد تعتبر أن التفاوض في ظل استمرار قدرة الجماعة على تنفيذ هجمات مؤثرة سيضعف موقف المملكة، ويمنح الحوثيين مساحة أكبر لفرض شروطهم.

ويعكس هذا التوجه معضلة تواجه الرياض؛ إذ إن مواصلة العمليات العسكرية قد ترفع كلفة المواجهة وتزيد المخاطر على البنية التحتية، بينما قد لا يضمن التفاوض وحده وقف الهجمات أو التوصل إلى تسوية مستقرة.

وفي الأيام الأخيرة، وجّه المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، تحذيرات لشركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات السعودية، معتبراً أنها قد تصبح أهدافاً للعمليات العسكرية للجماعة.

الهجمات تهدد صورة السعودية وجهةً للاستثمار

لا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الطموحات الاقتصادية السعودية، التي تستهدف تحويل المملكة إلى مركز دولي للأعمال والسياحة والاستثمار.

وأشار تقرير «نيويورك تايمز» إلى أن الهجمات وقعت قبيل فعاليات سياسية واقتصادية مهمة، من بينها قمة الاستثمار السنوية التي تستقطب عادة قادة دول ومستثمرين ورجال أعمال ومسؤولين تنفيذيين من مختلف أنحاء العالم.

وقد تثير التطورات الأمنية تساؤلات لدى المشاركين بشأن سلامة السفر إلى المملكة، رغم استمرار السلطات السعودية في تنظيم الفعاليات المقررة ومحاولة الحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية.

ونقلت الصحيفة عن بوب ماكنالي، رئيس مجموعة «رابيدان إنيرجي» البحثية في واشنطن، أنه وصل إلى الرياض بسلام يوم السبت، قبل وقوع الهجوم بنحو نصف ساعة من مغادرته المطار.

واعتبر ماكنالي أن إصرار السعودية على مواصلة أنشطتها الاقتصادية يعكس حجم الاستثمارات السياسية والمالية التي وضعتها المملكة في مسار التحول الاقتصادي، ورغبتها في تجنب تعطيل خططها بسبب التصعيد الأمني.

من جهته، حذر غوس من أن الأضرار التي يمكن أن تلحقها هجمات الحوثيين بالبنية التحتية السعودية قد تفوق، من الناحية الاقتصادية، ما تتعرض له الجماعة نفسها، الأمر الذي قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالعمل في المملكة.

كيف عادت المواجهة بين السعودية والحوثيين إلى التصعيد؟

بحسب التقرير، تمكن الحوثيون خلال السنوات الماضية من تعزيز سيطرتهم على مناطق واسعة في شمال اليمن، رغم الحملة العسكرية التي قادتها السعودية قبل نحو عقد، والتي خلّفت تداعيات إنسانية واسعة ولم تنجح في إنهاء نفوذ الجماعة.

ومع التوصل إلى هدنة عام 2022، دخل الصراع مرحلة من الهدوء النسبي، قبل أن تتفاقم التوترات مجدداً على خلفية التطورات الإقليمية والضربات المتبادلة المرتبطة بالحرب مع إيران.

وأشار التقرير إلى أن الخلافات تصاعدت عقب غارة استهدفت مطار صنعاء الدولي في يوليو، اتهم الحوثيون السعودية بالوقوف وراءها، بينما أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض مسؤوليتها عن العملية، مبررة ذلك بمحاولة منع طائرة إيرانية من الهبوط دون تصريح.

ويرى محللون أن اعتماد الحكومة اليمنية على الدعم السعودي يجعل من الصعب فصل قراراتها العسكرية عن حسابات الرياض الإقليمية، في حين اعتبر الحوثيون الضربة تصعيداً دفعهم إلى توسيع ردودهم، بما في ذلك استهداف الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر.

وتزامن ذلك مع تجدد الاشتباكات بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية، وإعلان الأخيرة عن تحركات عسكرية جديدة لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها الجماعة، بالتوازي مع تصعيد سعودي ضد الحوثيين، وفق ما أوردته الصحيفة.

السعودية تحاول احتواء التداعيات

ورغم الهجمات، سعت السلطات السعودية إلى استمرار النشاط الرسمي والاقتصادي، إذ أبقت مطار الرياض مفتوحاً عقب حوادث سابقة، قبل تعليق عملياته بعد الهجوم الذي تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا، بحسب التقرير.

وفي اليوم التالي، انعقد اجتماع لوزراء الطاقة في العاصمة رغم تحذيرات أمنية تلقاها دبلوماسيون أجانب من احتمال سقوط صواريخ، ونصائح لهم بالبقاء في أماكنهم.

وخلال الاجتماع، أشار وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان إلى غياب بعض المشاركين، عازياً ذلك إلى الإجراءات الاحترازية التي اتخذوها في ظل الظروف الأمنية.

وتكشف هذه التطورات عن التحدي الذي تواجهه الرياض في الموازنة بين حماية أراضيها ومنشآتها، ومنع اتساع الصراع، والحفاظ على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.

هل يصبح إنهاء الحرب مع إيران مفتاح الحل؟

تخلص تقديرات المحللين التي نقلتها «نيويورك تايمز» إلى أن قدرة السعودية على احتواء الحوثيين قد ترتبط بدرجة كبيرة بمسار المواجهة الأميركية الإيرانية، ومدى استعداد واشنطن وطهران لإدراج الملف اليمني ضمن أي تسوية أوسع.

لكن هذا المسار لا يزال محفوفاً بعدم اليقين، في ظل استمرار التصعيد وتضارب المصالح الإقليمية، فضلاً عن أن الحوثيين أظهروا قدرة على مواصلة القتال رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.

وبين خيار مواصلة الضغط العسكري ومحاولة التوصل إلى اتفاق سياسي، تجد السعودية نفسها أمام معادلة صعبة: وقف الهجمات وحماية منشآتها الحيوية، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتعرقل خططها الاقتصادية.