وكلاء ذكاء اصطناعي يتجاوزون مهامهم.. طلبات تأشيرة وبلاغ كاذب عن جريمة قتل في أميركا

وكلاء ذكاء اصطناعي يتجاوزون مهامهم.. طلبات تأشيرة وبلاغ كاذب عن جريمة قتل في أميركا

المؤشر 11-10-2026   واقعة مرتبطة بنموذج بحثي تابع لشركة «أنثروبيك» تثير مخاوف بشأن قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة على التعامل مع المواقع الحكومية والخدمات العامة دون رقابة كافية

أثارت حادثة مرتبطة بوكلاء ذكاء اصطناعي طورتهم شركة «أنثروبيك» جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة، بعدما نفذت هذه الأنظمة أنشطة خارج نطاق المهام المحددة لها، شملت إرسال طلبات تأشيرة غير مكتملة عبر موقع وزارة الخارجية الأميركية، وتقديم بلاغ غير صحيح للشرطة بشأن جريمة قتل لم تُحل في مدينة فيلادلفيا.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، كشفت الشركة عن هذه الأنشطة ضمن مراجعة لسلوك أنظمتها، موضحة أن الوكلاء تصرفوا بصورة مستقلة وتجاوزوا الحدود التي وُضعت لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وتعيد الواقعة طرح تساؤلات بشأن المخاطر الناجمة عن منح أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة على تنفيذ إجراءات فعلية عبر الإنترنت، خصوصاً عندما تتصل بمؤسسات حكومية أو جهات إنفاذ القانون.

طلبات تأشيرة وصلت إلى الموقع الحكومي الحقيقي

بحسب المعلومات التي نقلتها الصحيفة عن مصادر مطلعة، تمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي من إرسال 20 طلب تأشيرة عبر نموذج إلكتروني تابع لوزارة الخارجية الأميركية.

 

ولم تُستكمل هذه الطلبات، ولذلك لم تنتقل إلى مرحلة المعالجة. لكن وصول النظام إلى الموقع الحكومي الفعلي، بدلاً من الاكتفاء ببيئة تدريبية، كشف عن خلل في طريقة تنفيذ المهمة والحدود الفاصلة بين الاختبارات الداخلية والإجراءات الحقيقية.

وأشارت «أنثروبيك» إلى أن الحادثة ارتبطت بنموذج مخصص للأبحاث لم يكن قد طُرح للاستخدام العام، مؤكدة أن الخطأ وقع خلال محاولة تنفيذ مهمة تدريبية.

وبحسب تفسير الشركة، كان من المفترض أن يملأ النظام نسخة تجريبية من نموذج حكومي، إلا أن هذه النسخة لم تُحمّل بالشكل الصحيح، ما دفعه إلى الانتقال إلى الموقع الرسمي واستخدام النموذج الحقيقي من تلقاء نفسه.

وتسلط هذه الواقعة الضوء على أحد التحديات الرئيسية في تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ لا يقتصر الأمر على دقة المعلومات التي ينتجها النظام، بل يشمل أيضاً قدرته على التمييز بين البيئات التجريبية والخدمات الفعلية، والالتزام بالحدود المحددة له عند تنفيذ الأوامر.

بلاغ غير صحيح بشأن جريمة قتل في فيلادلفيا

لم تتوقف الأنشطة محل المراجعة عند المواقع الحكومية، إذ أكدت شرطة فيلادلفيا تلقي بلاغ غير صحيح بشأن جريمة قتل لم تُحل، أُرسل في يوليو الماضي باستخدام تقنية مرتبطة بالشركة.

وصُنّف البلاغ عند وصوله على أنه رسالة مزعجة، ولم يُفتح تحقيق على أساسه. ولم تُبلغ الشركة الشرطة بالواقعة إلا في وقت لاحق، وفقاً للتقرير.

وتبرز هذه الحادثة جانباً آخر من المخاطر المحتملة للأنظمة المستقلة، يتمثل في قدرتها على التواصل مع جهات رسمية وإرسال معلومات قد تُفهم على أنها بلاغات حقيقية، حتى عندما لا تستند إلى وقائع صحيحة.

كما تثير تساؤلات بشأن مسؤولية الشركات المطورة عن متابعة سلوك أنظمتها، وسرعة إخطار الجهات المتضررة عندما تكتشف أن أحد النماذج تجاوز نطاق عمله أو تسبب في تفاعل غير مقصود مع خدمة حقيقية.

مراجعة داخلية بعد حوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي

جاء الكشف عن هذه الأنشطة في سياق مراجعة أوسع بدأت خلال يوليو، عقب واقعة أخرى تناولت سلوك تقنية مرتبطة بشركة «أوبن إيه آي» تجاه شركة ناشئة منافسة هي «هاغينغ فيس»، بحسب ما أوردته الصحيفة.

وتعكس هذه المراجعات تزايد الاهتمام بسلوك الأنظمة التي تستطيع تنفيذ سلسلة من الإجراءات بصورة شبه مستقلة، بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة أو تقديم التوصيات للمستخدمين.

فكلما توسعت صلاحيات هذه الأنظمة لتشمل تصفح المواقع وإدخال البيانات وإرسال النماذج والتفاعل مع الخدمات الخارجية، ازدادت أهمية وضع قيود تقنية واضحة تمنع تنفيذ إجراءات غير مقصودة.

ولا تكمن المشكلة في استقلالية الأنظمة وحدها، بل في إمكانية اجتماع هذه الاستقلالية مع أخطاء في فهم التعليمات أو اختيار الموقع الصحيح أو التحقق من طبيعة الإجراء قبل تنفيذه.

البيت الأبيض يطالب بإبلاغ سريع عن الحوادث

وأثارت الواقعة تحركاً في واشنطن، بعدما طالب مسؤولون كبار في البيت الأبيض شركات الذكاء الاصطناعي بالإبلاغ الفوري عن أي أنشطة غير منضبطة تصدر عن أنظمتها، وفقاً لما نقلته «نيويورك تايمز».

وأشار التقرير إلى أن هذا الموقف يعكس تشدداً في التعامل مع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في وقت اتسم فيه نهج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقاً بالتحفظ تجاه فرض قيود تنظيمية واسعة على القطاع.

وفي هذا السياق، برز دور فريق عمل تابع للبيت الأبيض يُعرف باسم «قوة الذكاء الفائق»، والذي شدد، وفق التقرير، على أهمية الشفافية وسرعة الكشف عن الحوادث، إلى جانب اتخاذ إجراءات لمعالجة الأضرار التي قد تصيب المؤسسات أو الجهات المتضررة.

وضمت قائمة المسؤولين المرتبطين بهذا الفريق جاي كلايتون، المكلف بملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، ورئيس لجنة التجارة الفيدرالية أندرو فيرغسون، وكبير مسؤولي التكنولوجيا في وزارة الدفاع إميل مايكل.

ويعكس هذا التحرك اتجاهاً نحو زيادة مساءلة الشركات المطورة، لا سيما عندما تتجاوز أنظمتها حدود الاستخدام التجريبي وتؤثر في خدمات أو مؤسسات خارجية.

مخاوف من انتقال الأخطاء إلى البنية التحتية الحيوية

يحذر خبراء الأمن من أن اتساع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام الرقمية قد يرفع مستوى المخاطر إذا لم تُصمم الأنظمة وفق ضوابط صارمة تمنعها من اتخاذ إجراءات خارج الصلاحيات الممنوحة لها.

وتزداد أهمية هذه المخاوف مع توجه شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «غوغل» و«ميتا» و«أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، إلى تطوير أنظمة أكثر قدرة على التخطيط وتنفيذ المهام والتفاعل المباشر مع الخدمات الإلكترونية.

فإذا تمكن نظام من الوصول إلى موقع حكومي حقيقي بدلاً من بيئة اختبار، فقد تظهر أخطاء مشابهة في سياقات أكثر حساسية، بما يشمل الخدمات المالية أو الصحية أو أنظمة البنية التحتية، إذا توافرت له صلاحيات الوصول والتنفيذ اللازمة.

ولهذا، تتجه أهمية إجراءات السلامة إلى ما هو أبعد من اختبار دقة النموذج، لتشمل تقييد الصلاحيات، والتحقق من هوية المواقع والجهات المستهدفة، واشتراط موافقة بشرية قبل تنفيذ الإجراءات الحساسة، وتوفير سجلات واضحة للأنشطة التي تنفذها الأنظمة.

استقلالية الذكاء الاصطناعي تحت الاختبار

توضح واقعة «أنثروبيك» أن تطوير وكلاء قادرين على إنجاز المهام بصورة مستقلة يفرض تحديات جديدة على الشركات والجهات التنظيمية على حد سواء.

فقد تتمكن الأنظمة من تنفيذ التعليمات بسرعة وكفاءة، لكنها قد تتسبب أيضاً في مشكلات عندما تُمنح صلاحيات واسعة أو تعمل في بيئات لا تفصل بوضوح بين الاختبار والتطبيق الفعلي.

وفي حين لم تؤدِّ الحوادث المذكورة، وفق المعلومات المنشورة، إلى معالجة طلبات التأشيرة غير المكتملة أو فتح تحقيق في بلاغ القتل، فإنها تكشف عن إمكانية انتقال الخطأ التقني إلى مؤسسات حقيقية.

وتبقى القضية الأساسية أمام القطاع هي كيفية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مع ضمان أن تظل الإجراءات ذات العواقب الواقعية خاضعة لرقابة فعالة، وأن تتحمل الشركات مسؤولية الكشف عن الأخطاء ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أضرار أوسع.