وول ستريت جورنال: الشرق الأوسط يدخل مرحلة تحالفات متشابكة وصراعات عابرة للحدود

وول ستريت جورنال: الشرق الأوسط يدخل مرحلة تحالفات متشابكة وصراعات عابرة للحدود

المؤشر 06-10-2026   يشهد الشرق الأوسط إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى والعلاقات بين دوله، في ظل تراجع بعض الاصطفافات التقليدية وصعود تحالفات جديدة تحركها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا، إلى جانب الحسابات العسكرية والاستراتيجية.

ويرى المؤرخ والكاتب البريطاني سيمون سيباغ مونتفيوري، في تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن المنطقة لم تعد تعيش أزمات منفصلة، بل دخلت مرحلة تتداخل فيها ملفات الشرق الأوسط مع تطورات تمتد من الحرب في أوكرانيا والقوقاز إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا وجنوب آسيا.

تحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية

ويشير مونتفيوري إلى أن السنوات الأخيرة أظهرت تغيراً في طبيعة العلاقات الإقليمية، إذ حافظت دول عربية على قنوات تعاون مع إسرائيل رغم تصاعد التوترات، بينما اتجهت السعودية وتركيا وباكستان إلى تعزيز التعاون الدفاعي عبر اتفاق ثلاثي جديد.

وفي شرق المتوسط، عززت اليونان شراكتها الدفاعية مع إسرائيل، بينما طورت أوكرانيا علاقاتها الأمنية مع السعودية والإمارات وقطر. كما شهدت العلاقات بين إسرائيل والهند تقارباً متزايداً، في وقت تتقاطع فيه مصالح دول كانت في السابق أقرب إلى التحرك ضمن محاور ثابتة.

 

ويعتقد الكاتب أن العامل الأهم في هذه التحولات هو انتقال المنطقة تدريجياً من التحالفات القائمة على الهوية الأيديولوجية أو الطائفية إلى شراكات أكثر براغماتية، تركز على حماية المصالح الوطنية وتأمين مصادر الطاقة وتعزيز التجارة والحصول على التكنولوجيا والنفوذ.

من الخليج إلى أوكرانيا

ولا يرى مونتفيوري أن حدود الصراع في الشرق الأوسط يمكن فصلها عن الحرب الروسية في أوكرانيا، إذ باتت التطورات في أحد الملفين تؤثر في حسابات الأطراف المنخرطة في الآخر.

كما أسهمت الحرب في أوكرانيا في إعادة صياغة حسابات تركيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى، بينما دفع التنافس التركي اليوناني، إلى جانب ملف الغاز في شرق المتوسط، أثينا إلى توثيق التعاون مع إسرائيل في مواجهة الطموحات الإقليمية لأنقرة.

وفي المقابل، تتداخل حسابات الخليج مع التطورات في جنوب آسيا، حيث تعمل باكستان على توسيع علاقاتها مع السعودية وتركيا، مع محاولة لعب دور في الاتصالات المتعلقة بإيران.

أما الهند، فتواصل تعزيز شراكتها مع إسرائيل مع الإبقاء على علاقاتها مع إيران وروسيا. ويرى الكاتب أن إحياء مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا يمكن أن يمنح هذه الشبكة الجديدة من العلاقات بعداً اقتصادياً واستراتيجياً إضافياً.

البحر الأحمر والقرن الأفريقي

ويمتد التشابك إلى شرق أفريقيا والبحر الأحمر، حيث تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي على النفوذ والموانئ والذهب والأراضي الزراعية.

كما تتنافس قوى عدة، بينها إسرائيل ودول عربية وتركيا وإيران، على تعزيز حضورها في الصومال وإثيوبيا ومناطق أخرى من القرن الأفريقي، بينما تزيد الهجمات التي ينفذها الحوثيون في البحر الأحمر من المخاوف بشأن انتقال تداعيات الصراع إلى نطاق أوسع.

ويرى مونتفيوري أن تطورات السودان والبحر الأحمر لا يمكن فصلها عن التوازنات الخليجية، في ظل ارتباط أمن الممرات البحرية بالتجارة والطاقة والمصالح العسكرية للدول الكبرى.

الساحل الأفريقي مصدر قلق إضافي

وفي منطقة الساحل، يبرز عامل آخر من عوامل عدم الاستقرار، مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتراجع نفوذ بعض القوى الغربية، بالتزامن مع تنامي الدور الروسي.

ويحذر الكاتب من أن انهيار إحدى الدول الهشة في المنطقة قد يفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة لتوسيع نشاطها باتجاه نيجيريا أو ليبيا، بما قد يخلق تداعيات أمنية تتجاوز منطقة الساحل وتمتد إلى مصر وشمال أفريقيا.

هل أصبح مفهوم الشرق الأوسط أضيق من الواقع؟

وبحسب مونتفيوري، فإن اتساع دائرة التفاعلات الأمنية والاقتصادية يجعل تعريف «الشرق الأوسط» التقليدي أقل قدرة على وصف المشهد الحالي.

فالعلاقات بين دول الخليج وإسرائيل والهند، والروابط الأمنية مع تركيا وباكستان، والتطورات في أوكرانيا والقوقاز والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، باتت تشكل شبكة واحدة من المصالح المتداخلة.

ويصف الكاتب التحالفات الجديدة بأنها مرنة وليست بالضرورة متعارضة، بحيث يمكن أن تتزامن الاتفاقات الدفاعية الإقليمية مع اتفاقات التطبيع الاقتصادي والسياسي ومشروعات البنية التحتية العابرة للحدود.

الخطر في تزامن الصراعات

لكن اتساع هذه الشبكة يحمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، إذ يحذر مونتفيوري من احتمال تزامن أو تداخل عدة صراعات في وقت واحد، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وصولاً إلى أي مواجهة محتملة في جنوب آسيا.

ويرى أن انتقال الأزمات من مسارح منفصلة إلى صراع مترابط قد يؤدي إلى تضخم تداعياتها بصورة يصعب احتواؤها، بحيث تتحول مجموعة من النزاعات المحلية والإقليمية إلى أزمة ذات تأثير عالمي.

واشنطن أمام اختبار إدارة التوازنات

وفي خضم هذه التحولات، يعتقد مونتفيوري أن الولايات المتحدة لا تزال الدولة الأكثر قدرة على إدارة شبكة التحالفات والمصالح المتشابكة في المنطقة، رغم تراجع مستوى الثقة بها لدى بعض حلفائها.

ويشير إلى أن المخاوف الخليجية من إيران دفعت عدداً من الدول العربية إلى التمسك بالحضور الأميركي باعتباره ضمانة أمنية، في حين حافظت إسرائيل على أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى هذه الدول رغم استمرار الخلافات بينها.

ويخلص الكاتب إلى أن التحدي الرئيسي لم يعد يتمثل في اندلاع حرب منفردة داخل الشرق الأوسط، وإنما في احتمال تداخل عدة صراعات وتحولها إلى مواجهة واسعة يصعب السيطرة عليها.

ومن هذا المنظور، يرى مونتفيوري أن واشنطن تواجه حاجة متزايدة إلى سياسة أكثر تماسكاً وتوازناً، قادرة على التعامل مع شبكة التحالفات الجديدة ومنع الأزمات المنفصلة من التحول إلى صراع إقليمي أو دولي واسع.