فايننشال تايمز: الجزائر تعزز حضورها في الساحل لمواجهة تراجع نفوذها

فايننشال تايمز: الجزائر تعزز حضورها في الساحل لمواجهة تراجع نفوذها

المؤشر 06-10-2026   تتجه الجزائر إلى إعادة صياغة حضورها السياسي والأمني في منطقة الساحل والصحراء، في ظل تصاعد المخاطر على حدودها الجنوبية وتنامي المنافسة الإقليمية مع المغرب، وفق تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز.

ويرى التقرير، الذي أعدته هبة صالح وجاكوب جودا، أن الجزائر باتت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات عسكرية ودبلوماسية لتعزيز نفوذها في محيطها الإقليمي، بعد سنوات من اعتماد سياسة تقوم بدرجة أكبر على عدم التدخل في شؤون الدول المجاورة.

وبحسب الصحيفة، يأتي هذا التحول مدفوعاً بمخاوف أمنية مرتبطة بالنشاط الجهادي في منطقة الساحل، إلى جانب رغبة الجزائر في استعادة نفوذ تراجع لصالح منافسين إقليميين، وفي مقدمتهم المغرب.

تدخل عسكري غير مسبوق في النيجر

وبرز التحول الجزائري بشكل واضح خلال التطورات التي شهدتها النيجر، عندما أرسلت الجزائر طائرات مقاتلة لدعم السلطات هناك في أعقاب محاولة انقلابية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الجزائر ظلت لعقود متمسكة بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج حدودها، فيما تعود آخر مشاركة لقوات جزائرية خارج البلاد، بحسب التقرير، إلى عام 1973.

 

وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في تصريحات تلفزيونية، إن بلاده قررت إرسال الطائرات رداً على ما وصفه بـ«الاستفزاز»، مشيراً إلى أن رئيس وزراء النيجر كان قد زار الجزائر قبل أن يواجه محاولة انقلاب عند عودته إلى بلاده.

ويعكس هذا الموقف، وفق قراءة الصحيفة، استعداداً جزائرياً لاستخدام قدراتها العسكرية كجزء من أدوات سياستها الخارجية، وليس فقط الاعتماد على الوساطة والدبلوماسية.

مخاوف متزايدة على الحدود الجنوبية

وتشترك الجزائر في حدود طويلة مع دول تشهد اضطرابات أمنية وسياسية، بينها مالي والنيجر، ما يجعلها شديدة الحساسية تجاه تمدد الجماعات الجهادية وشبكات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل.

وتعد الجزائر من أكبر الدول الأفريقية إنفاقاً على الدفاع، فيما تخشى السلطات من أن يؤدي تدهور الأوضاع الأمنية في دول الجوار إلى انتقال التهديدات إلى أراضيها.

ونقلت «فايننشال تايمز» عن إيفان غويشاو، من مركز بون الدولي لدراسات النزاع، أن الجزائر تشعر بصورة متزايدة بأنها محاصرة من أطراف قد تتحول إلى قوى معادية، معتبراً أن البلاد تدخل مرحلة جديدة تسعى خلالها إلى استعادة نفوذها في الساحل.

كما تثير أوضاع شمال مالي قلق الجزائر، خصوصاً مع نشاط الجماعات المسلحة والانفصالية في مناطق قريبة من حدودها، وسط مخاوف من استغلال الحدود الواسعة لتهريب المخدرات وتسلل الجماعات المتشددة.

توتر مع الإمارات والمغرب

ويتزامن التحرك الجزائري مع توتر متصاعد في علاقاتها مع الإمارات، التي تنظر إليها الجزائر، بحسب التقرير، باعتبارها منافساً إقليمياً ذا نفوذ متزايد في ملفات عدة، من بينها السودان وليبيا.

وكانت الجزائر قد أعلنت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، فيما ربط محللون الخطوة بالتوترات الإقليمية المتصاعدة، رغم عدم تقديم السلطات الجزائرية دليلاً علنياً على تورط أبوظبي في محاولة الانقلاب بالنيجر.

وقال الرئيس تبون إن سلوك الإمارات أصبح، من وجهة نظر بلاده، غير مقبول، واتهمها بمحاولة التأثير على الجزائر. كما سبق أن وصفها بأنها مصدر لعدم الاستقرار في المنطقة.

في المقابل، أعربت الإمارات عن أملها في أن يكون قرار قطع العلاقات مؤقتاً، بما يحافظ على العلاقات بين شعبي البلدين، وفق ما أوردته الصحيفة.

الجزائر تعيد فتح قنواتها مع دول الساحل

ولم يبدأ التحرك الجزائري مع إرسال الطائرات إلى النيجر، إذ سبقت ذلك محاولات لإعادة بناء العلاقات مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بعد فترة من التوتر بسبب موقف الجزائر الرافض للانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات مدنية في المنطقة.

ووصل التوتر مع مالي إلى مستويات غير مسبوقة في عام 2025، بعد إعلان الجزائر إسقاط طائرة مسيرة مالية قالت إنها دخلت مجالها الجوي. وأعقب ذلك إغلاق المجال الجوي بين البلدين واستدعاء السفراء، كما اتخذت بوركينا فاسو والنيجر، الحليفتان لمالي، خطوات مشابهة.

لكن الجزائر بدأت لاحقاً في إعادة التواصل مع دول المنطقة، وفي يوليو أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع مالي.

كما كثفت تعاونها الاقتصادي مع النيجر، خصوصاً في قطاعات الطاقة والكهرباء، إلى جانب مشروع خط أنابيب ضخم يفترض أن يربط المنطقة بنيجيريا ويمر عبر الأراضي النيجرية.

الأمن والطاقة في قلب التحرك الجزائري

ويرى محللون أن الجزائر أصبحت أكثر اقتناعاً بالحاجة إلى الجمع بين نفوذها الاقتصادي وأدواتها الأمنية للحفاظ على مصالحها في الساحل.

وقال المحلل الدفاعي المقيم في الجزائر أكرم خريف إن بلاده أدركت حاجتها إلى إدخال «عنصر أمني» ضمن عرضها السياسي والاقتصادي لدول المنطقة.

وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن الجزائر قدمت للنيجر عدداً من المروحيات الهجومية في أغسطس، بالتزامن مع نشر مقاتلات من طراز «سو-30» داخل الأراضي النيجرية لفترة محدودة، قبل إعادتها إلى جنوب الجزائر، بحسب دبلوماسيين غربيين نقلت عنهم الصحيفة.

ويبدو أن الجزائر تسعى في الوقت ذاته إلى حماية مصالحها في مشاريع الطاقة والتجارة الإقليمية، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة مع المغرب على ممرات النقل والطاقة نحو غرب أفريقيا.

الصحراء الغربية محور التنافس مع الرباط

ويظل ملف الصحراء الغربية أحد أبرز عناصر التنافس الجزائري المغربي.

فالجزائر تدعم استقلال الصحراء الغربية، في حين عزز المغرب موقفه الدولي بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادته على المنطقة المتنازع عليها عام 2020.

كما أدى تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية ضمن الاتفاق ذاته إلى زيادة حساسية الجزائر تجاه التطورات، خصوصاً في ظل العلاقات العسكرية والأمنية المتنامية بين الرباط وتل أبيب.

وترى تحليلات أوردتها «فايننشال تايمز» أن هذه التطورات دفعت الجزائر إلى إعادة تقييم مستوى حضورها في منطقة الساحل، وعدم ترك المجال لمنافسيها لتوسيع نفوذهم بالقرب من حدودها الجنوبية.

منافسة روسية على النفوذ في الساحل

وتواجه الجزائر أيضاً واقعاً إقليمياً جديداً يتمثل في تنامي الحضور الروسي في منطقة الساحل، حيث تنتشر قوات روسية شبه عسكرية في مالي، إلى جانب وجود عسكري في النيجر وبوركينا فاسو.

ورغم أن الجزائر لا تنظر بارتياح إلى الوجود الروسي شبه العسكري، فإنها تحاول، وفق التقرير، تقديم نفسها لدول الساحل باعتبارها شريكاً إقليمياً أكثر قرباً وأقل تدخلاً من القوى الخارجية.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي في نيامي أن الجزائر تسعى إلى إبراز ما تعتبره أخطاء ارتكبها الروس في المنطقة، مع تقديم تدخلها باعتباره أكثر هدوءاً واحتراماً لسيادة الدول المضيفة.

ويبقى من غير الواضح، بحسب التقرير، ما إذا كان إرسال المقاتلات الجزائرية إلى النيجر يمثل خطوة استثنائية مرتبطة بظرف محدد، أم أنه يعكس بداية تحول أوسع في العقيدة الأمنية والسياسة الخارجية للجزائر.

رسالة إلى دول الساحل

ويرى يحيى زبير، الأكاديمي في جامعة فودان الصينية، أن التحرك الجزائري يحمل رسالة واضحة إلى دول المنطقة مفادها أن الجزائر مستعدة لتقديم الدعم عندما تواجه حكوماتها أزمات أمنية.

وبذلك، تبدو الجزائر أمام محاولة لإعادة تثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة في الساحل، مستفيدة من قدراتها العسكرية وعلاقاتها التاريخية مع دول المنطقة، بالتوازي مع تحركات اقتصادية ودبلوماسية تهدف إلى حماية مصالحها ومواجهة توسع نفوذ منافسيها.

ويشير هذا المسار إلى أن السياسة الجزائرية تجاه الساحل قد تدخل مرحلة أكثر براغماتية، تجمع بين الوساطة التقليدية واستخدام أدوات الأمن والدفاع، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافساً متزايداً بين قوى إقليمية ودولية متعددة.