أبريل 06, 2020



  • نيويورك
    03:47 PM
    23:01:2017
  • طوكيو‎
    05:47 AM
    24:01:2017
  • جرينتش‎
    08:47 PM
    23:01:2017
  • رام الله
    10:47 PM
    23:01:2017

حال السوق

(المؤشر )

الدولة المستحيلة.. خريطة فلسطين في عقل بيرني ساندرز

المؤشر 14-03-2020   تخرج «الحاجة» الفلسطينية، مرتدية ثوبها الفلسطيني المطرز وحجابها الأبيض، إلى المركز الانتخابي القريب من منزلها في ولاية نيفادا الأمريكية. تدخل وقد ظهر عليها التعب، وعيناها تلمعان بالأمل، تُخرج قلمها وتضع الإشارة عند مرشحها المفضل، بيرني ساندرز، اليهودي الذي سمعته مرارًا يُدافع عن حقوق الفلسطينيين. تتذكر الحاجة أهلها في فلسطين: صفقة القرن، والنكبة، والنكسة، ثم تؤكد على إشارتها عند ساندرز، وتمضي مؤمنة بأنّ صوتها اليوم ممتد إلى بلدتها القديمة.

يُغرّد حفيدها، آدم أبو صلاح، بصورة جدته وهي تضع الإشارة، ويذكر في تغريدته: «صوتت جدتي اليوم لبيرني ساندرز ليصبح الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية، صوتت له لأنّه لا يخاف بأنّ يقول إنّ عائلتها في فلسطين تستحق أنّ تعيش في كرامة وسلام». تخرج نتيجة التصويت. ساندرز يفوز باكتساح على نظرائه الديمقراطيين في ولاية نيفادا بنسبة 46.8%.

يمكن القول إن الصفة الأقوى للمرشح بيرني ساندرز هي الاتساق، فمنذ بداية مشواره السياسي وساندرز متسق وثابت في مواقفه من العديد من القضايا المتنوعة، مثل التغير المناخي، وحقوق المثليين، والمساواة بين الجنسين. وإذا ما رصدنا مواقفه في الشرق الأوسط، فهو يقدم خطابًا يعتبر الأكثر إيجابية مع الملفات العربية بالنسبة للساسة الأمريكيين، فقد كان ساندرز من أشد المعارضين لحرب العراق، والآن هو من أشد المنادين بالاستجابة، وإنهاء حرب اليمن، منتقدًا بذلك السياسة السعودية في اليمن.

ولكنّ إذا بدأت البحث في مواقف ساندرز تجاه القضية الفلسطينية، ستجدها واضحة يشوبها بعض الغموض، ولربما ستجدها أحيانًا متناقضة، بحكم أنّ ساندرز في نهاية الأمر شخصية سياسية. فساندرز يهوديّ يؤمن بحق إسرائيل في الوجود، ويؤمن في نفس الوقت بحق الفلسطينيين في دولة يعيشون فيها بكرامة وسلام، وهذا ما يحاول التقرير إيضاحه وفهمه.

«الكيبوتسات التقدمية».. ساندرز يعيش تجربة حياته

شمال أراضي فلسطين المحتلة، يقع كيبوتس مشمار هعيمق «حُرّاس الوادي» الذي يبعد عن تل مجدو سبعة كيلومترات. الكيبوتس الذي يُعتقد بأنّ ساندرز عاش فيها تجربته الاشتراكية المثالية من وجهة نظره

الكيبوتسات عبارة عن مستوطنات إسرائيلية «زراعية»، كانت النواة الأولى للمشروع الاستيطاني الصهيوني داخل فلسطين بداية عام 1909، وزاد عدد الكيبوتسات مع بداية الموجة الرابعة للهجرة اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية (1924-1931)، ولكن لم تكن فقط مستوطنات زراعية، بل أيضًا بؤرة للتسليح والتدريب العسكري، وقد وقعت معركة في «كيبوتس مشمار هعيمق» في أبريل (نيسان) 1948، مع جيش الإنقاذ العربي، استمرت لمدة 10 أيام.

وعُرف عن الكيبوتسات بأنّها نموذجٌ حي للمجتمعات الاشتراكية، وذلك حسب تصريحٍ مباشر من ساندرز الذي خاضَ فيها تجربة حياته، ومارس فيها القيم التقدمية الحقيقية، والممارسات الاشتراكية اليومية من وجهة نظره. ويُعتقد أيضًا بأنّ ساندرز استضيف من قبل الحركة الصهيونية الاشتراكية الشبابية، الملقبة بحركة «الحُرّاس الشباب»، التي أُسست عام 1913، وكانت تستقبل العديد من المتطوعين من أنحاء أوروبا وأمريكا.

يذكر ساندرز في مقالته التي يحاول فيها تثبيت موقفه من معاداة السامية: «من المهم جدًا بالنسبة للجميع، خصوصًا للتقدميين، الاعتراف بالإنجاز العظيم في إقامة دولة ديمقراطية يهودية بعد قرونٍ من النزوح والاضطهاد». بعد عقدين من تجربته في الكيبوتس، يبدأ ساندرز مشواره السياسي ليصبح عمدة لإحدى أفقر الولايات الأمريكية، ولاية فيرمونت، التي تقع شمال شرق الولايات على الحدود الكندية، والذي بدأ فيها تدريجيًا تطبيق حلمه الاشتراكي.

حل الدولة أم الدولتين؟ خريطة فلسطين في عقل ساندرز

يؤمن ساندرز بأنّ أمريكا عليها تبني دور «المصلح العالمي»، فهي تملك القوة العسكرية والاقتصادية الأهم في العالم، ويمكنها فعل ذلك من خلال إحضار الجهات المختلفة والمتصارعة، وإجلاسهم على طاولة وحدة لحل نزاعاتهم، وإذا ما أصبح ساندرز رئيسًا للولايات المتحدة، فهو يخطط لجمع السعوديين والإيرانيين على طاولة واحدة ليحلوا مشاكلهم، ويجمع الفلسطينيين والإسرائيليين أيضًا للوصول إلى حل وتسوية يستطيع فيها الطرفان العيش بسلام وأمان بعضهم إلى جانب البعض.

رؤية ساندرز واضحة وضوح الشمس بالنسبة إليه، حلُّ الدولتين. دولة لإسرائيل تعيش فيها بأمان، ودولة للفلسطينيين يعيشون فيها بكرامة وسلام. وقد سُئل مؤخرًا في مناظرة الحزب الديمقراطي لمرشحين الرئاسة، إذا ما كان لديه النية لإرجاع السفارة الأمريكية إلى تل أبيب، قال بأنّه «قد يأخذ الأمر بعين الاعتبار» وتابع جوابه مدافعًا عن أصوله اليهودية، وأن سياسته الخارجية ستحمي استقلالية وأمن إسرائيل، وتدافع عن حقوق الفلسطينيين.

وقد يبدو هذا الموقف من ساندرز متسقًا مع تصويته رافضًا تشريع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس عام 1995، التشريع الذي صوت لصالحه أغلبية مجلس الشيوخ والنواب يوم الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، عندما كان ساندرز نائبًا مستقلًا عن ولاية فيرمونت في مجلس النواب. ولكنّ التشريع لم يُفعّل لعدم التوقيع عليه من أيّ رئيس أمريكي ليصبح قيد التنفيذ، إلى أنّ وقع عليه ترامب يوم الأول من يونيو (حزيران) 2017.

وقبلها بأربعة أعوام صوتّ ساندرز لصالح اقتراح ينادي بتعليق المساعدات الأمريكية لإسرائيل، والتي بلغت 82.5 مليون دولار، ما لم تتوقف إسرائيل عن بناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد رُفض الاقتراح بتصويت 44 نائبًا، مقابل 378 نائب معارضين للاقتراح.

يرفض ساندرز حل الدولة الواحدة، لأنّه بالنسبة له يعني نهاية دولة إسرائيل، التي قامت على مبدأ «يهودية» الدولة. كما أنّه لا يدعم حركة المقاطعة «بي دي إس»، ولكنّه يؤمن في الحقّ الدستوري للشعب الأمريكي في الحراك اللاعنفي، وأنّ أيّ قرار أو تشريع يعارض ذلك، يعارض بالضرورة «التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة»، الذي يمنع صياغة أيّ تشريعات تحظر أو تعوق الممارسة الدينية، أو تحد من حرية الصحافة، أو الاعتراض والتجمع السلمي. وقد اشترك ساندرز في توقيع رسالة وجهت إلى الأمم المتحدة، تهاجم حركة المقاطعة، وتذكر بأنّ الأمم المتحدة تستهدف وتهاجم إسرائيل بطريقة غير عادلة، من وجهة نظره.

ساندرز والنكبة وقطاع غزة

بالنسبة لساندرز فإنّ الاحتلال الإسرائيلي بدأ منذ 50 عامًا؛ أي بعد أحداث النكسة عام 1967. ولا ينكر التهجير القسري الذي حدث لـ700 ألف فلسطيني، ولكنّ هذه المأساة التي عاشها الفلسطينيين، لا تعني بالنسبة لساندرز عدم شرعية دولة إسرائيل، مقارنًا بذلك الأحداث المأساوية التي حدثت لسكان أمريكا الأصليين.

يعتبر ساندرز من أكثر المدافعين عن قطاع غزة، وينادي بالاستجابة السريعة للأوضاع الصعبة داخل القطاع، ومواقفه داخل مجلس الشيوخ تشهد على ذلك. ففي يوليو (تموز) 2014، أثناء الحرب على غزة، وافق مجلس الشيوخ بإجماع على قرار يدعم «حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها ضد الهجمات والصواريخ غير المبررة من قبل حركة حماس الإرهابية».

وكان ساندرز أحد الـ21 عضو الذين رفضوا هذا القرار، لأنّه لا يذكر معاناة الفلسطينيين داخل القطاع. كما يتبنى ساندرز المساعدات الأمريكية لإسرائيل المشروطة بتحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة. ويبدو أنّ بعض سكان ولاية فيرمونت غير راضين عن أداء ساندرز في الدفاع عن حقوق الفلسطينيية، ففي أحد اجتماعات مجلس المدينة في ولايته فيرمونت عام 2014، تسأل أحد الحاضرات ساندرز عن خطواته المستقبلية لإنهاء الأزمة في غزة، وإيقاف القصف الإسرائيلي على المستشفيات والمدارس في القطاع. فيقف ساندرز للإجابة، ثابتًا في موقفه تجاه الأزمة، ولكنّ التفافه في الإجابة أزعج بعض الحاضرين، فقد ركز في إجابته عن خطر حركة «حماس» و«داعش» في الشرق الأوسط.

داخل حركة ساندرز.. المدافعون عن فلسطين يتصدرون المشهد

حتى توضح لنا الصورة أيضًا، علينا النظر إلى الذين يعملون مع ساندرز، فمدير حملته الرئاسية لعام 2020، فايز شاكر، مسلمٌ من أصول باكستانية، وشغل سابقًا رئيسًا للقسم السياسي في الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، وهي منظمة غير ربحية أسست عام 1920، تدافع عن الحريات داخل أمريكا بما يوافق الدستور والتعديل الأول للدستور الأمريكي.

وفي مارس (آذار) 2017، قدم عضو مجلس الشيوخ بين كاردين، وروب بورتمان، تعديل قانون سابق في الـ1979، كان يعارض مقاطعة جامعة الدول العربية لإسرائيل، ليشمل التعديل حظر أي منظمة عالمية تدعو لمقاطعة إسرائيل، والذي صمم لتعطيل حركة المقاطعة «بي دي إس». القانون الذي قام شاكر، لكونه فاعلًا في اتحاد الحريات بالضغط على أعضاء مجلس الشيوخ لعدم تصديقه.

وتضم حركة ساندرز، النائبة إلهان عمر، الأمريكية الصومالية، والمدافعة عن حقوق الفلسطينيين وحركة المقاطعة، والنائبة الفلسطينية الأمريكية، رشيدة طالبة. بالإضافة إلى أصغر نائبة في مجلس النواب، ألكساندريا كورتيز، التي تنتقد وبشدة سياسة المستوطنات الإسرائيلية، وانتقدت عام 2018، أيام احتجاجات مسيرة العودة في غزة، الانتهاك الإسرائيلي لأهل غزة، واصفة الانتهاك الإسرائيلي بالمجزرة، بعد قتل 60 متظاهرًا من القطاع. بالإضافة إلى الناشطة الفلسطينية، والنائبة الوطنية لساندرز، ليندا صرصور، والتي تنتقد الصهيونية وتؤيد الـ«بي دس إس»، بشكل علني.

كما يشغل حاليًا ماثيو داس، مستشار ساندرز للشؤون الخارجية، والذي عمل سابقًا في مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، والتي تدعو إلى حل الدولتين. ودعا داس في حوارٍ له عُقد مع منظمة «بال ثينك» الفلسطينيين باستغلال التغيرات الحاصلة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، وممارسة «الضغط» تجاه مصالحهم.

تذكر جنين مسعود، الفلسطينية الأمريكية، والمنظمة في حملة بيرني 2020 لولاية نيو جيرسي لـ«ساسة بوست»: «لست مؤمنة بأنّ بيرني سيحرر فلسطين، هذا ما يجب على الفلسطينيين فعله. ولكنّي مؤمنة أنّ باستطاعته تغيير الخطاب الحالي الموالي لإسرائيل والمعادي للفلسطينيين، وبالتالي يقلل من نفوذ إسرائيل، ويفتح فرصًا جديدة للفلسطينيين للتنظيم»، وتضيف: «إنّ سياسة ساندرز الخارجية لها موقعٌ خاص في مخيالي وذاكرتي، فهو يريد معالجة جذور الحروب والاستعمار، وليس فقط أعراضها».

نتنياهو واللوبي الإسرائيلي.. العدو الأول لبيرني ساندرز

يُعتبر ساندرز من أشد الناقدين لحكومة إسرائيل، بهجومه المستمر على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامي نتنياهو، واصفًا إياه بـ«العنصري الرجعي». وبالإضافة إلى نقده الشديد، يستغل ساندرز وجوده في مجلس الشيوخ للتعبير عن نقده وتضامنه مع الفلسطينيين. ففي عام 2015، سُرّب خبرٌ بأنّ نتنياهو سيلقي خطابًا في مجلس الشيوخ، بترتيبٍ من رئيس مجلس النواب جون بوينر، الذي لم ينسق مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وكان ساندرز أول المعلنين عن عدم حضوره لكلمة نتنياهو.

وتهاجم وسائل الإعلام الإسرائيلية ساندرز بشكل مستمر، مثل صحيفة «جيروزاليم بوست» التي وصفته بأنّه خطر حقيقي على مستقبل إسرائيل. لا يتلقى ساندرز العداء من داخل إسرائيل فقط، وإنّما من اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، فقد أنفقت مجموعة الضغط «الغالبية الديمقراطية من أجل إسرائيل»، عشرات آلاف الدولارات على دعايات تصور ساندرز بطريقة سلبية في ولاية آيوا، الدعايات التي جعلت بعض الناخبين يشككون في موقفهم تجاه ساندرز، رغم إيمانهم الشديد بخطابه السياسي. كانت النتائج بالرغم من ذلك في صالح ساندرز، فقد حصل على المركز الأول في التصويت الشعبي داخل الولاية.

ومؤخرًا أعلن ساندرز من خلال تغريدة مقاطعته مؤتمر أيباك السنوي، واصفًا المؤتمر بأنّه منصة «للتعصب الأعمى»، ولم يشارك ساندرز مرةً في مؤتمر «أيباك»، وشاركته بالمقاطعة المرشحة إليزابيث وارين. واعتذر جو بايدن عن حضور المؤتمر أيضًا بسبب انشغاله في حملته الانتخابية، مؤكدًا على دعمه وولائه لإسرائيل ومصالحها، وقام الملياردير والمرشح الديمقراطي مايكل بلومبيرج بحضور المؤتمر معلنًا دعمه الكامل لإسرائيل.

ليس واضحًا بشكلٍ كافي كيف ستبدو القضية الفلسطينية في حالة وصول ساندرز إلى الرئاسة، إلّا أنّه لا يمكن لأيّ متابع أن يغفل عن التحولات العميقة في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال العقد الماضي، فبعد أنّ كانت مسألة دعم إسرائيل متجاوزة للأحزاب والتيارات السياسية، توجد اليوم شريحة كبير من الشعب الأمريكي وقاعدة الحزب الديمقراطي، تطرح تساؤلات عن جدوى هذه العلاقة وحدودها.

حضور شخصياتٍ ديمقراطية تتصدر المشهد مثل بيرني ساندرز، الذي يحمل خطابًا ينادي بحقوق الفلسطينيين، ويقاطع مؤتمر «أيباك» السنوي، يعني أنّ هنالك شريحة من المجتمع الأمريكي غير راضية وناقدة لإسرائيل، وتتساءل عن جدوى العلاقة بها، وقد يؤدي ذلك إلى مستقبل مختلف للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وقد يستغل الفلسطينيون هذه الفجوات لتشكيل مشروعٍ يضغط باتجاه مصالحهم ورؤيتهم للقضية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

وتذكر جنين أيضًا لـ«ساسة بوست»: «لا أحد منا يعلم ما يخبؤه المستقبل، فلا أعلم ماذا يمكن أنّ تكون سياسة ساندرز تحديدًا؛ ولكن أعتقد أنّ على ساندرز إعادة الدعم لمنظمة «الأنروا»، وإصلاح ما أفسده ترامب في فترته، كما على الولايات المتحدة عدم استخدام حق «الفيتو» على كل قرار في الأمم المتحدة يدين إسرائيل، وبالتالي توفير غطاءٍ سياسي يستطيع الفلسطينيين التحرك من خلاله».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *